النَّاظُور غَرْبَ الْمُتَوَسِّطِ.. الْقَاطِرَةُ الْعِمْلَاقَةُ الَّتِي تُعِيدُ رَسْمَ الْخَرِيطَةِ الِاسْتِثْمَارِيَّةِ فِي الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ…. مِنِ اِقْتِصَادِ الْحُدُودِ إِلَى سَلَاسِلِ الْقِيمَةِ الْعَالَمِيَّةِ

النَّاظُور غَرْبَ الْمُتَوَسِّطِ.. الْقَاطِرَةُ الْعِمْلَاقَةُ الَّتِي تُعِيدُ رَسْمَ الْخَرِيطَةِ الِاسْتِثْمَارِيَّةِ فِي الْجِهَةِ الشَّرْقِيَّةِ…. مِنِ اِقْتِصَادِ الْحُدُودِ إِلَى سَلَاسِلِ الْقِيمَةِ الْعَالَمِيَّةِ

عبدالقادر كتـــرة

لعقود طويلة، ظل اقتصاد الجهة الشرقية في المغرب رهيناً للتحويلات المالية للمغاربة المقيمين بالخارج والتجارة الحدودية غير المهيكلة، مما جعل المنطقة عرضة للهزات الاقتصادية الظرفية.

اليوم، ومع وضع اللمسات الأخيرة لانطلاق العمليات التجارية في مركب “الناظور غرب المتوسط” باستثمار إجمالي يناهز 51 مليار درهم، تقف الجهة الشرقية على أعتاب تحول تاريخي سينقلها من الهامش الجغرافي إلى قلب التجارة العالمية وسلاسل التوريد الأوروبية والأفريقية.

عملاق بحري وطاقي يستقطب كبار العالم

قبل حتى أن تستقبل أرصفته أولى السفن التجارية، نجح ميناء الناظور غرب المتوسط في نيل ثقة أكبر عملاقين للنقل البحري في العالم؛ حيث ستتولى مجموعتا (MSC) و(CMA CGM) العالميتان، بالشراكة مع “مرسى المغرب”، تشغيل محطتي الحاويات بطاقة استيعابية أولية تتراوح بين 3 و5 ملايين حاوية سنوياً، مع إمكانية التوسع لبلوغ 12 مليون حاوية مستقبلاً.

ولا تتوقف أهمية المركب عند الشحن التجاري، بل يمتد دوره ليشكل ركيزة السيادة الطاقية للمغرب؛ إذ يضم أول محطة لاستقبال الغاز الطبيعي المسال بطاقة 5 مليارات متر مكعب سنوياً، ومحطة للمنتجات البترولية بسعة 25 مليون طن.

هذه البنية التحتية تفتح الباب على مصراعيه أمام الاستثمارات الخليجية والدولية في مجالات تخزين المحروقات، وتزويد السفن بالوقود النظيف، وتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر والأمونيا الموجهة للتصدير نحو أوروبا.

منطقة التسريع الصناعي.. مختبر للإنتاج والتصدير

بمحاذاة الأرصفة البحرية، تمتد منطقة التسريع الصناعي على مساحة أولية تبلغ 700 هكتار، والتي استقطبت بالفعل التزامات استثمارية خاصة تقارب 20 مليار درهم.

توفر هذه المنطقة الحرة وعاءً عقارياً مجهزاً وتحفيزات ضريبية وجمركية استثنائية للمستثمرين في قطاعات صناعة مكونات السيارات، وتجميع المعدات الثقيلة، وصناعة شفرات التوربينات الريحية، والصناعات الكيميائية. وبفضل الموقع الجغرافي للميناء، سيتمكن الصناعيون من شحن منتجاتهم نحو الموانئ الأوروبية في غضون ساعات قليلة، مما يمنحهم ميزة تنافسية حاسمة في الكلفة والوقت.

تكامل جهوي يربط الساحل بالعمق الشرقي

تكمن القوة الحقيقية لمشروع الناظور غرب المتوسط في كونه صُمم كمنظومة متكاملة تشمل كافة أقاليم الجهة الشرقية عبر شبكة حديثة من البنيات التحتية:

– الناظور وسلوان: بينما تتحول مدينة الناظور إلى قطب مالي وخدماتي وفندقي يستوعب الشركات البحرية ومكاتب الاستشارات والمصارف، تبرز الحظيرة الصناعية بـ”سلوان” كامتداد خلفي للميناء للصناعات المتوسطة والتحويلية، مدعومة بخط سككي جديد يربطها مباشرة بالأرصفة البحرية.

– جرسيف وتاوريرت: بفضل مشروع الطريق السيار جرسيف-الناظور الممتد على 105 كيلومترات، تتحول جرسيف وتاوريرت إلى عقدتي ربط لوجستي استراتيجي، مما يفتح فرصاً كبيرة لإنشاء منصات التخزين البري، وتثمين الموارد المعدنية، وتطوير الصناعات الغذائية (كالزيتون والأعشاب الطبية) وتوجيهها للتصدير.

– بركان (السلة الفلاحية): سيوفر الميناء لمصدري الحوامض والبواكر في سهل تريفة والقطب الفلاحي ببركان إمكانية التصدير المباشر عبر الحاويات المبردة، ما يقلص كلفة النقل البري الطويل ويجذب استثمارات جديدة في التلفيف والتبريد الصناعي.

– وجدة (القطب الأكاديمي والتكنولوجي): تلعب عاصمة الجهة الشرقية دور المزود الرئيسي بالكفاءات البشرية من مهندسين وتقنيين خريجي جامعة محمد الأول والمعاهد المتخصصة، فضلاً عن الفرص التي يتيحها “القطب التكنولوجي بوجدة” لاحتضان شركات الخدمات اللوجستية الرقمية والطاقات المتجددة.

يمثل مركب الناظور غرب المتوسط أكثر من مجرد مشروع بنية تحتية؛ إنه عقد اقتصادي واجتماعي جديد للجهة الشرقية، كفيل بخلق عشرات الآلاف من مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة، وتحويل المنطقة إلى وجهة أولى للمستثمرين الباحثين عن موطئ قدم في السوق المتوسطية والأفريقية.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *