قِصَّةُ الْمُؤَثِّرَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ-الْجَزَائِرِيَّةِ الْمُلَقَّبَةِ بِـ”الْبَقَرَةِ الْحَلُوبِ” الَّتِي تَشْتُمُ بَارِيسَ وَتَرْفُضُ الْعَوْدَةَ إِلَى الْجَزَائِرِ… سَوَابِقُ عَدْلِيَّةٌ، تَحْرِيضٌ عَلَى الْفَوْضَى، وَتَمَسُّكٌ بِالْإِقَامَةِ وَالْمُسَاعَدَاتِ
عبدالقادر كتـــرة
في السنوات الأخيرة، أفرزت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها تطبيق “تيك توك”، ظاهرة خطيرة باتت تُعرف في الأوساط الإعلامية والسياسية بـ”الشعبوية الرقمية العابرة للحدود”.
وفي قلب هذه الظاهرة، يبرز اسم المؤثرة الفرنسية-الجزائرية صوفيا بلمان، المقيمة في ضواحي مدينة ليون والبالغة من العمر نحو خمسين عاماً، بوصفها النموذج الأكثر إثارة للجدل.
إذ تجسد مسيرتها مفارقة صارخة تجمع بين السوابق العدلية، والتحريض المستمر على العنف والكراهية ضد الدولة الفرنسية ومؤسساتها، مقابل التمسك الشديد بالإقامة فوق أراضيها والاستفادة من نظامها الاجتماعي، مع رفض قاطع لفكرة العودة النهائية إلى الجزائر.
سجل حافل بالسوابق والفوضى من الملاعب إلى المنصات الرقمية
لم تكن شهرة صوفيا بلمان وليدة الصدفة، بل تأسست على مسار طويل من خرق القوانين وإثارة الشغب.
فالسيدة الحاملة للجنسية الفرنسية دأبت منذ أكثر من عقدين على البحث عن الأضواء عبر الفوضى؛ إذ يعود أول ظهور صاخب لها إلى السادس من أكتوبر عام 2001 في “ملعب فرنسا” بباريس، حين كانت أول من قفز فوق اللوحات الإعلانية واقتحم أرضية الملعب حاملةً العلم الجزائري خلال المباراة الودية التاريخية بين فرنسا والجزائر، والتي توقفت بسبب الفوضى.
ومع ظهور شبكات التواصل الاجتماعي، نقلت بلمان هذا السلوك الصدامي إلى الفضاء الافتراضي حيث يتابعها مئات الآلاف عبر “تيك توك” و”فيسبوك”.
ولم يقتصر سجلها على فرنسا فحسب، بل امتد إلى الخارج؛ ففي يناير 2024، جرى توقيفها وترحيلها من كوت ديفوار خلال بطولة كأس أمم أفريقيا على خلفية نشرها مقاطع فيديو مثيرة للجدل والفتنة.
أما في فرنسا، فقد تحولت حساباتها إلى منبر لبث الكراهية والشتائم والتهديدات بالقتل، سواء ضد معارضين جزائريين أو ضد الدولة الفرنسية ورموزها.
وبلغ هذا المسار ذروته القانونية مطلع عام 2025، حين أوقفتها الشرطة الفرنسية في مدينة ليون ووضعتها رهن الحراسة النظرية إلى جانب مؤثرين آخرين بتهم تتعلق بالتحريض على الكراهية والتهديد بالموت، بالتزامن مع قيام إدارة “تيك توك” بغلق حساباتها نهائياً لانتهاكها معايير المجتمع.
وفي 15 أبريل 2025، أصدرت المحكمة الجنحية في ليون حكماً بإدانتها، وقضت بحبسها تسعة أشهر موقوفة التنفيذ، مع إلزامها بـ 200 ساعة من العمل للمنفعة العامة، وحظر استخدامها لمنصتي “تيك توك” و”فيسبوك” لمدة ستة أشهر.
ازدواجية المعايير: تحريض على الفوضى وتمسّك بامتيازات الإقام
رغم هذه الإدانات القضائية، عادت صوفيا بلمان لتتصدر واجهة الجدل في فرنسا عقب ظهورها في مقاطع فيديو موجهة إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تدعو فيها الجالية الجزائرية والشباب المقيمين في فرنسا إلى النزول للشارع والمشاركة في المظاهرات، وسط اتهامات صريحة لها بالتحريض على الفوضى وتخريب الممتلكات العامة والخاصة.
هذا السلوك فجّر موجة عارمة من السخط في الأوساط الشعبية والإعلامية الفرنسية، التي وضعت إصبعها على التناقض الصارخ في حياة هذه المؤثرة.
فكيف لسيدة تحمل الجنسية الفرنسية، وتعيش في أمان داخل الأراضي الفرنسية، وتعتمد في معيشتها اليومية على المساعدات الاجتماعية والتغطية الصحية التي يوفرها دافعو الضرائب الفرنسيون، أن تكرّس وقتها لشتم فرنسا والتحريض على ضرب استقرارها؟
وقد دفع هذا التناقض طيفاً واسعاً من المنتقدين والمعلقين الفرنسيين إلى وصفها بـ”البقرة الحلوب” التي تقتات من خيرات النظام الاجتماعي الفرنسي ومن مداخيل “البث المباشر”، بينما ترفض بشكل قاطع التخلي عن امتيازاتها والعودة للعيش في الجزائر التي تتغنى بشعاراتها ليل نهار.
“وطنية عن بُعد” وتداعيات خطيرة على الجالية
إن القراءة المتأنية لسلوك صوفيا بلمان تكشف أن الأمر لا يتعلق بنضال سياسي أو غيرة وطنية، بل بتجارة رائجة تقوم على “اقتصاد الغضب” وجمع المشاهدات والأرباح المالية عبر دغدغة العواطف بشعارات شعبوية صاخبة.
فلو كانت قناعاتها منسجمة مع خطابها المعادي لفرنسا، لكانت المبادرة الطبيعية هي الاستقرار في بلدها الأصلي بدلاً من التشبث بوثائق الإقامة والجنسية والمساعدات الفرنسية.
غير أن الخطورة الحقيقية لهذا السلوك لا تقف عند حدود شخصها، بل تمتد لتضرب في الصميم مصالح الملايين من أفراد الجالية الجزائرية والمغاربية المندمجين الذين يشتغلون بجد ويحترمون قوانين البلد المضيف. فكل فيديو تحريضي تنشره بلمان وأمثالها يُقدَّم على طبق من ذهب لليمين واليمين المتطرف في فرنسا، ويُستغل في القنوات التلفزيونية والبرلمان لتبرير سن قوانين أكثر قسوة ضد المهاجرين، وتغذية خطاب العنصرية والكراهية المضادة، بل وتأجيج الأزمات الدبلوماسية بين باريس والجزائر.
ختاماً، تثبت قضية صوفيا بلمان أن زمن “الحصانة الافتراضية” قد انتهى، وأن العبث بالأمن العام والتحريض على العنف من وراء الهواتف الذكية بات يقود مباشرة إلى أروقة المحاكم. كما تعكس حاجة ملحة داخل أوساط الجالية لفظّ هؤلاء “المؤثرين” الذين يبيعون الوهم والفوضى للشباب القاصر والمندفع، بينما يحرصون هم على تأمين مصالحهم ومساعداتهم الاجتماعية في قلب أوروبا.

