«كُلُّنَا أَبْنَاءُ آدَمَ».. شَبَابٌ بِالصَّوِيرَةِ يُنْقِذُونَ طَبِيباً فَرَنْسِيّاً مُتَشَرِّداً فِي مَلْحَمَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ تُجَسِّدُ نُبْلَ الْأَخْلَاقِ الْمَغْرِبِيَّةِ وَيُعِيدُونَ لَهُ الْكَرَامَةَ وَالْأَمَلَ حِينَ تَقَطَّعَتْ بِهِ السُّبُلُ

«كُلُّنَا أَبْنَاءُ آدَمَ».. شَبَابٌ بِالصَّوِيرَةِ يُنْقِذُونَ طَبِيباً فَرَنْسِيّاً مُتَشَرِّداً فِي مَلْحَمَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ تُجَسِّدُ نُبْلَ الْأَخْلَاقِ الْمَغْرِبِيَّةِ وَيُعِيدُونَ لَهُ الْكَرَامَةَ وَالْأَمَلَ حِينَ تَقَطَّعَتْ بِهِ السُّبُلُ
عبدالقادر كتـــرة

في مشهد يختزل أسمى معاني التضامن البشري ويعكس المعدن الأصيل للمجتمع المغربي، تحولت أزقة مدينة الصويرة مؤخراً إلى مسرح لمبادرة إنسانية مؤثرة، بطلها شباب مغاربة أبوا إلا أن يمدوا يد العون لمواطن فرنسي قست عليه الظروف وتقطعت به السبل في بلاد الغربة، ليجد نفسه محاطاً برعاية أعادت إليه كرامته الإنسانية قبل مأواه.
من قسوة التشرد بحي “الراونق” إلى دفء الرعاية
بدأت فصول هذه القصة الإنسانية حينما رصد الفاعل الجمعوي والناشط بمدينة الصويرة، أيوب كورنيتي، رفقة شباب متطوعين، مواطناً أجنبياً ينحدر من مدينة “بوردو” الفرنسية (تبين أنه إطار طبي)، يعيش وضعية تشرد قاسية جداً في حي “راونق” بالصويرة.
وكانت الحالة الجسدية والنفسية لهذا المواطن الفرنسي تبعث على الأسى؛ إذ دفعه غياب المأوى والخوف في الشارع إلى قضاء لياليه ينام وهو واقف على قدميه، مما تسبب له في انتفاخ وتورم حاد في ساقيه.
ورغم هذه المحنة القاسية، أكد الشباب الذين اقتربوا منه وحاوروه أنه إنسان طيب الخلق ويتمتع بكامل قواه العقلية، غير أن تقلبات الحياة وانقطاع الحبال به أوقعته في هذه الضائقة الطارئة.
استعادة الكرامة الآدمية.. أكثر من مجرد مساعدة عابرة
لم يكن تعامل شباب الصويرة مع هذا الضيف الأجنبي مجرد شفقة عابرة تقتصر على تقديم وجبة طعام في قارعة الطريق، بل كان تدخلاً شاملاً يستهدف رد الاعتبار لكرامته الإنسانية أولاً.
فقد بادر أيوب كورنيتي ورفاقه إلى اصطحاب الرجل إلى الحمام للاستحمام والتطهر، وتكفلوا بحلاقة شعره وذقنه، وتوفير ملابس جديدة ونظيفة له أخرجته من قوقعة التهميش.
ولأن جسده المنهك وأقدامه المتورمة كانت في أمسّ الحاجة إلى السكينة، تُوّجت هذه المبادرة بنقله إلى أحد الفنادق بالمدينة وتخصيص غرفة مريحة له، لينعم أخيراً بنوم آمن على سرير دافئ بعد ليالٍ طويلة من الوقوف المؤلم في العراء.
“كاملين ولاد آدم”.. فلسفة التسامح المغربي العابر للحدود
ما منح هذه الواقعة صدىً واسعاً وتفاعلاً قياسياً على منصات التواصل الاجتماعي — حيث حصد مقطع الفيديو عشرات الآلاف من الإعجابات وآلاف المشاركات في ساعات معدودة — هو تلك العبارة العفوية والعميقة التي أرفقها صاحب المبادرة بتوثيقه للحدث قائلاً: “المهم تعامل بحال النصارى بحال المغاربة، كاملين ولاد آدم”.
هذه الكلمات البسيطة في مبناها، العميقة في معناها، تعبر بصدق عن الفطرة المغربية السليمة التي لا تضع الهوية الدينية أو الجنسية أو اللغوية حاجزاً أمام إغاثة الملهوف. ففي الثقافة الشعبية المغربية، يظل “ابن السبيل” وعابر الطريق ضيفاً مستحقاً للإكرام والحماية، وتذوب كل الفوارق أمام الرابطة الآدمية المشتركة التي توجب نصرة الضعيف وجبر كسر المنكوب.
كما تكتسي هذه الالتفاتة رمزية خاصة لكونها نبتت في تربة مدينة الصويرة (موكادور)، المدينة التي شكلت عبر القرون نموذجاً عالمياً للتعايش السلمي والتآخي بين مختلف الأديان والثقافات، ليؤكد شبابها اليوم أن هذا الإرث الحضاري ليس مجرد تاريخ مدون في الكتب، بل هو سلوك يومي ممارس في الميدان.
نداء لاستكمال الجميل وتدخل الجهات المعنية
لقد أدى المجتمع المدني وشباب الصويرة واجبهم الإنساني والأخلاقي على أكمل وجه في مرحلة الإسعاف الأولي وإيواء هذا المواطن الفرنسي، غير أن وضعيته الصحية والقانونية تستدعي اليوم تفاعلاً سريعاً من الجهات المختصة والمصالح القنصلية الفرنسية بالمغرب، استجابةً للنداء الذي أطلقه الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي للنظر في حالته ومواكبته طبياً وإدارياً حتى يستعيد عافيته ويعود إلى أسرته ووطنه سالماً معافى.

فيديو للمشاهدة

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *