“شَرَابُ الْمُلُوكِ الْعَلَوِيِّينَ”.. قِصَّةُ الْأَتَايِ الْمَغْرِبِيِّ مِنْ بِلَاطِ السُّلْطَانِ مُولَايَ إِسْمَاعِيلَ إِلَى أَقَاصِي أَفْرِيقِيَا…. كَيْفَ صَنَعَ الْمَغْرِبُ حَضَارَةَ “الْأَتَايِ”؟

“شَرَابُ الْمُلُوكِ الْعَلَوِيِّينَ”.. قِصَّةُ الْأَتَايِ الْمَغْرِبِيِّ مِنْ بِلَاطِ السُّلْطَانِ مُولَايَ إِسْمَاعِيلَ إِلَى أَقَاصِي أَفْرِيقِيَا…. كَيْفَ صَنَعَ الْمَغْرِبُ حَضَارَةَ “الْأَتَايِ”؟

عبدالقادر كتـــرة

تمهيد لم يكن كأس الشاي المغربي المكلل بالرغوة والمنسّم بأوراق النعناع الطري مجرد مشروب عابر في تاريخ شمال وغرب أفريقيا، بل هو عنوان لحضارة متجذرة وبروتوكول مخزني عريق.

فبينما كانت مناطق واسعة من الجوار الإقليمي الخاضع آنذاك للنفوذ العثماني لا تعرف سوى القهوة مشروباً يومياً، كان المغرب الأقصى في ظل الدولة العلوية الشريفة يرسّخ تقاليد مشروب نفيس عُرف في المصادر التاريخية والذاكرة الشعبية الإقليمية بلقب «شراب الملوك»؛ وهو اللقب الذي يعكس بدقة نشأة هذا الطقس داخل البلاط السلطاني المغربي قبل أن يفيض منه نحو عموم الحواضر والبوادي، ومنها إلى دول الجوار.

1. هدية الملوك للملوك: الظهور الأول في بلاط السلطان مولاي إسماعيل

تعود الجذور التاريخية الموثقة لدخول الشاي إلى المغرب إلى مطلع القرن الثامن عشر الميلادي، وتحديداً في عهد السلطان العلوي المولى إسماعيل (1672–1727م). ففي خضم العلاقات الدبلوماسية والتجارية التي ربطت الدولة المغربية بالقوى الأوروبية الكبرى، أرسلت ملكة بريطانيا “آن” (Queen Anne) سفراءها إلى العاصمة الإسماعيلية مكناس محمّلين بهدايا ملكية نادرة لطلب ودّ السلطان المغربي والتفاوض بشأن الأسرى والمعاهدات البحرية.

وكان من بين أثمن تلك الهدايا صناديق من الشاي الأخضر الفاخر وأواني الخزف والفضة وقوالب السكر.

استحسن السلطان مولاي إسماعيل هذا المشروب الجديد، وسرعان ما تحوّل في القصر السلطاني بمكناس إلى رمز للأبهة المخزنية والتكريم الرفيع الذي يخصّ به السلطان كبار ضيوفه من السفراء والوزراء والعلماء.

2. مؤسسة «مول الأتاي».. الشاي في البروتوكول السلطاني العلوي

لم يبقَ الشاي في قصور السلاطين العلويين مجرد مشروب يُقدّم، بل ارتقى إلى مستوى “مؤسسة بروتوكولية” قائمة بذاتها داخل جهاز المخزن المغربي.

فقد استُحدثت في القصر السلطاني حِنطة (وظيفة) خاصة تُعرف بـ «مول الأتاي»، وهو الموظف المكلّف بالسهر على خزائن الشاي والسكر والأعشاب العطرية، وإعداد “البراد السلطاني” وفق معايير صارمة من الدقة واللياقة.

ولأن الشاي في القرنين الثامن عشر وأوائل التاسع عشر كان سلعة نادرة وباهظة الثمن تستورد من أقاصي آسيا عبر التجار الإنجليز، فقد ظلّ احتساؤه حكراً على الملوك العلويين والأمراء وكبار أعيان الدولة في فاس ومكناس والرباط ومراكش.

ومن هنا ترسّخ في المخيال الجمعي داخل المغرب وخارجه أن الشاي هو «شراب الملوك»، إذ كانت “صينية الفضة” و”الربايع” (علب حفظ الشاي والسكر) و”البراد” و”البابور” (السماور) قطعاً فنية تعكس فخامة الصنعة التقليدية المغربية وثراء البلاط العلوي.

3. من الصويرة السلطانية إلى ابتكار الهوية المغربية للشاي

شكّل تأسيس ميناء الصويرة (موغادور) على يد السلطان العلوي سيدي محمد بن عبد الله في النصف الثاني من القرن الثامن عشر نقطة تحول كبرى في تاريخ الشاي بالمغرب؛ إذ غدت الصويرة البوابة البحرية الأولى للتجارة المغربية مع بريطانيا والعالم.

ومع توقيع المعاهدة التجارية المغربية-البريطانية في عهد السلطان مولاي عبد الرحمن بن هشام عام 1856م، وتدفّق شحنات الشاي الأخضر الصيني (شاي “الحبّ” أو الشاي الشعرة) عبر الموانئ المغربية، خرج الشاي تدريجياً من أسوار القصور السلطانية وبيوت الأعيان ليعمّ مختلف شرائح المجتمع المغربي.

غير أن المغاربة لم يستهلكوا الشاي كما استورده الأوروبيون أو كما يُشرب في الصين، بل أعادوا ابتكاره بالكامل وألبسوه روحهم وهويتهم؛ فمزجوا مرارة الشاي الأخضر بحلاوة السكر القالب، وعطّروه بالنعناع المغربي في الصيف، و”الشيبة” في الشتاء، وتفننوا في تبهيره بأزهار اللويزة، والزعفران، وماء الزهر، ومزيج الأعشاب الطبيعية (“التخليطة”).

كما أبدع الأدباء والفقهاء المغاربة قصائد وأرجوزات خالدة في التغني بـ”الأتاي” وأوانيه ومجالسه، مثل أرجوزة الأديب عبد السلام الزموري الفاسي التي نظمها في القرن التاسع عشر.

4. المغرب مركز إشعاع ثقافة «الأتاي» نحو الجوار

تُجمع المصادر التاريخية والأنثروبولوجية، فضلاً عن الشهادات الشفوية والأرشيفية لكبار السن في المنطقة المغاربية، على أن المغرب كان المنطلق الوحيد لانتشار ثقافة الشاي الأخضر في شمال وغرب أفريقيا:

– شرقاً نحو الجزائر: انتقلت عادة شرب “الأتاي” من الحواضر والمناطق الحدودية المغربية (كوجدة وفجيج وتافيلالت) إلى مدن الغرب الجزائري (تلمسان، مغنية، وهران) وإلى حواضر الصحراء في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، حاملةً معها نفس المصطلحات المغربية الأصيلة (البراد، الصينية، التشليلة، التلقيمة، الكشكوشة/الرزة).

– جنوباً نحو الصحراء وغرب أفريقيا: حملت القوافل التجارية المغربية المنطلقة من فاس ومراكش وسوس وواد نون (كلميم) الشاي والسكر والأباريق إلى موريتانيا، ومالي (تمبكتو)، والسنغال، والنيجر، وبنواحي الصحراء الكبرى، إلى جانب الدور المحوري للزوايا الصوفية المغربية التي نشرت طقوس “الأتاي” كرمز للمحبة وإكرام الضيف في مجالس الذكر والعلم.

ختاما، إن الاعتراف التاريخي بأن الشاي كان «شراب الملوك» وأنه من المغرب انتشر إلى محيطه، ليس مجرد تفصيل في تاريخ العادات الغذائية، بل هو شهادة حية على عراقة الدولة المغربية وتفرّد شخصيتها الحضارية في ظل السلاطين والملوك العلويين.

ففي كل مرة يُرفع فيها “البراد” المغربي عالياً لصبّ الشاي في الكؤوس، تتجدد قصة قرون من الدبلوماسية السلطانية، والذوق الرفيع، والكرم المغربي الأصيل الذي حوّل شراب الملوك إلى لغة عالمية للترحيب والسلام.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *