حِينَ يَنْطِقُ الْأَرْشِيفُ وَيَهْزِمُ الزَّيْفَ: كَيْفَ تَسْتَلْهِمُ الْأَعْرَاسُ الْجَزَائِرِيَّةُ التَّقَالِيدَ الْمَغْرِبِيَّةَ بِصَمْتٍ… تَنَاقُضُ الْخِطَابِ الرَّسْمِيِّ وَالْوَلَعُ الشَّعْبِيُّ بِالْهُوِيَّةِ الْمَغْرِبِيَّةِ فِي الْجَزَائِرِ

حِينَ يَنْطِقُ الْأَرْشِيفُ وَيَهْزِمُ الزَّيْفَ: كَيْفَ تَسْتَلْهِمُ الْأَعْرَاسُ الْجَزَائِرِيَّةُ التَّقَالِيدَ الْمَغْرِبِيَّةَ بِصَمْتٍ… تَنَاقُضُ الْخِطَابِ الرَّسْمِيِّ وَالْوَلَعُ الشَّعْبِيُّ بِالْهُوِيَّةِ الْمَغْرِبِيَّةِ فِي الْجَزَائِرِ

عبدالقادر كتـــرة

في عصر تتقاطع فيه وسائل التواصل الاجتماعي مع ذاكرة الأمم، تصبح الصورة وثيقة دامغة يصعب تزييفها أو طمس معالمها. ومن على منصات التذكير الرقمي، تطفو بين الحين والآخر مقاطع من الأرشيف التاريخي والبرامج التلفزيونية الجزائرية نفسها لتقر بما تنكره الخطابات السياسية والإعلامية الرسمية؛ وهو أن جزءاً كبيراً ومهمًا من طقوس الأعراس في الغرب الجزائري، وفي مقدمتها “العمارية” والأهازيج والأزياء التقليدية، هي في أصلها وجوهرها تقاليد مغربية صرفة موثقة منذ قرون.

الأرشيف التاريخي.. شاهد ملك لا يخطئ

تعود أصول طقوس الاحتفال بالعروس وحملها على “العمارية” -وهي الهودج المزخرف الذي تُزف فيه العروس كالملكات- إلى أعماق التاريخ المغربي، وتحديداً إلى عصور الدولة المرينية والوطاسية وما بعدها، حيث وثقت العدسات التاريخية واللوحات الاستشراقية (مثل صور مدينة فاس العريقة سنة 1906) هذه الممارسات باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الهوية والبروتوكول الاحتفالي المغربي الأصيل.

وعلى الرغم من محاولات بعض الدوائر الإعلامية والافتراضية في الجار الشرقي نسب هذه المكونات التراثية عنوةً إلى التراث المحلي الجزائري، إلا أن الاعترافات المتواترة داخل بعض القنوات التلفزيونية الجزائرية جاءت لتشهد بالحق، مؤكدةً بما لا يدع مجالاً للشك أن أعراس الغرب الجزائري تعتمد بشكل أساسي على “العمارية المغربية” والأغاني والموسيقا المغربية لإضفاء رداء الفخامة والأصالة على حفلاتها.

تناقض صارخ: بين العداء السياسي والولع الثقافي

المفارقة الكبرى التي يلمسها المتابع للشأن المغاربي اليوم، تكمن في ذلك التناقض السيكولوجي والسياسي الحاد؛ فبينما تواصل الآلة الإعلامية والسياسية في الجزائر ترسيخ خطاب العداء ومحاولة السطو على الرموز الثقافية المغربية (كالقفطان، الزليج، وكسوة العروس)، نجد الشارع الجزائري -ولا سيما الفتيات والأسر في مختلف المدن الغربية كالوهران وتلمسان وسيدي بلعباس- يتسابقون بلهف لا يُصَدق لاقتناء هذه التقاليد واستئجار “العمارية” بأثمان غالية.

هذا الإقبال الجارف يعكس حقيقة ساطعة: أن الجاذبية الحضارية والثقافية للمغرب قوية وعميقة إلى درجة تتهاون أمامها كل الخطابات الشعبوية المصطنعة، فالإنسان بطبعه يميل نحو الأصالة والعراقة الموثقة.

تداعيات الظاهرة على التراث المحلي الجزائري

إن هذا الاستهلاك النهم والتقليد الأعمى للتقاليد المغربية داخل الأعراس الجزائرية، رغم محاولات ادعاء ملكيتها لاحقاً، يخلف تداعيات خطيرة على “الهوية التراثية” المحلية للجزائر؛ أبرزها:

1- أزمة الذوبان وفقدان الخصوصية: عوض بناء مشروع تراثي محلي نابع من خصوصيات مختلف مناطق الجزائر التاريخية، يتحول المشهد الاحتفالي إلى نسخة مكررة ومطابقة تماماً للأعراس المغربية، مما يساهم في طمس الفولكلور المحلي الحقيقي للغرب الجزائري.

2- الاعتراف الضمني بالعجز الإبداعي: إن لجوء الأسر الجزائرية حصرياً إلى “العمارية” والقفطان المغربي يعكس فقراً إبداعياً في الابتكار، واعتماداً كلياً على المخزون الحضاري المغربي الغني والمتنوع (الفاسي، المراكشي، الصحراوي).

3- تكريس ثقافة الاقتباس والنسب الزائف: أخطر ما في الأمر هو محاولة تحويل هذا “التقليد الوافد” إلى إرث محلي مزعوم عبر فبركة الروايات التاريخية، وهو ما يمثل سطواً ثقافياً ممنهجاً يفضح عجز المؤسسات الثقافية المجاورة عن حماية هويتها الخاصة بعيداً عن الاستنجاد بالإرث المغربي.

ختاما، إن التراث ليس مِلكية سائلة تُستباح بالأماني أو تُنتزع بالدعاية الفجة، بل هو تراكم تاريخي، وجذور، ووثائق أرشيفية لا تقبل التزوير. وما اعترافات الإعلام الجزائري وصور أرشيف 1906 إلا مرآة صادقة تفضح زيف الادعاءات، وتؤكد مجدداً أن المغرب ظل عبر العصور منارة ثقافية وحضارية تلهم الجوار وتتربع على عرش الأصالة الإفريقية والعربية، مهما تعالت أصوات الطمس والإنكار.

فيديو للمشاهدة

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *