الأَرْشِيفُ يَبُتُّ فِي المَعْرَكَةِ الثَّقَافِيَّةِ، وَوَثَائِقُ 1950 وَ1959 الدَّوْلِيَّةُ تُفَنِّدُ مُحَاوَلَاتِ السَّطْوِ الجَزَائِرِيَّةِ عَلَى التُّرَاثِ المَغْرِبِيِّ… وَالتَّارِيخُ المَرْئِيُّ يُصَادِرُ مُحَاوَلَاتِ “خَنْشَلَتِهِ”
عبدالقادر كتـــرة
في زمن التزييف الرقمي ومحاولات إعادة كتابة التاريخ وتجريد الشعوب من موروثها الحضاري، لا يجد الحق أمامه سنداً أقوى من “الأرشيف”.
فلم تعد الصراعات اليوم تقتصر على حدود الجغرافيا السياسية، بل امتدت إلى التراث والذاكرة الثقافية، حيث تُحاول بعض الجهات السطو على أزياء وطقوس مغربية عريقة ونسبها لبقع لم تكن تشهد تلك الممارسات في تاريخها. غير أن التوثيق التاريخي بالصوت والصورة يقف سداً منيعاً أمام كل أدعياء الأصالة.
قوة الأرشيف الدولي: لقطات سنة1950 و1959 تقطع الشك باليقين
تداول رواد منصات التواصل الاجتماعي مقاطع أرشيفية موثوقة من وثائقي فرنسي يعود لعام 1950 وعام 1959، يوثق مشاهد من عرس مغربي تقليدي بحضور نساء يرتدين قفطان “النطع الفاسي” الأصيل.
تكمن أهمية هذا الشريط الأرشيفي ليس فقط في جماليته البصرية، بل في توقيته الزمني القاطع؛ إذ تعود المادة إلى عام 1959، أي قبل سنوات من استقلال الجزائر وتأسيس جمهوريتها المعاصرة عام 1962.
يطرح هذا التوثيق سؤالاً بليغاً بلمسته المنطقية: كيف لتقاليد وأزياء توثقها كبريات المؤسسات الأرشيفية الغربية كجزء من الحياة الاجتماعية المغربية في الخمسينيات، أن تكون محل ادعاء أو سطو من كيانات لم تكن قد أبصرت النور بعد في ذلك التاريخ؟
“قفطان النطع الفاسي”.. شاهِدٌ على تجذر الفخامة المغربية
إن ظهور النساء في الوثائقي المذكور وهن يرتدين قفطان “النطع الفاسي” يعكس عمق التقاليد الحضرية والمخزنية للقفطان المغربي. فالنطع المنسوج من المخمل والمنقوش بخيوط الذهب “الصقلي” ليس مجرد قطعة قماش، بل هو ثمرة مراكز صناعية وحضرية عريقة كفاس والرباط وتطوان ومكناس، تطورت على مدى قرون طويلة.
إن استمرار ارتداء هذا القفطان في مناسبات الأعراس لقرون طويلة يُظهر الهيكل الاجتماعي المستقر والأصالة البصرية للمملكة المغربية.
مظاهر “الخنشلة” والسطو الثقافي: الفارق بين الأصل والتقليد
تشهد الساحة الإقليمية اليوم ما يُعرف بظاهرة “خنشلة التراث”، وهي محاولات مستميتة تبذلها أطراف لنسب مكونات التراث اللامادي المغربي (كالقفطان، الطاجين، والطقوس الفاسية) إلى بيئات أخرى لا تملك سنداً تاريخياً ولا أرشيفاً يمتد لأكثر من ستة عقود. إلا أن هذه المحاولات تصطدم بدوامة الحقائق الدامغة؛ فالتاريخ والذاكرة الإنسانية لا يُكتبان برغبات وقتية أو منشورات موجهة، بل يُثبتان عبر المخطوطات والشهادات الدولية السابقة لأوان التأسيس السياسوي الحديث.
نحو دبلوماسية أرشيفية لحماية الهوية الوطنية
إن إعادة نشر مقاطع مثل عرس1950 وعرس 1959 لا يجب أن تتوقف عند حدود المنشورات والتفاعل على شبكات التواصل الاجتماعي، بل هي دعوة صريحة لتفعيل “الدبلوماسية الأرشيفية”.
يستوجب هذا الواقع استخراج كافة الكنوز السمعية والبصرية المحفوظة في المعهد الوطني للسمعي البصري الفرنسي (INA) والأرشيفات الدولية، وإعادة تقديمها للعالم في ملفات رسمية لدى منظمة “اليونسكو” لحماية التراث اللامادي المغربي وتثمينه.
خلاصة القول، ستبقى الثقافة المغربية، بشرقها وغربها، بصحرائها وجبالها وحواضرها العتيقة، عصية على الانتهاك والاستيلاء. ويظل الأرشيف الدولي، وفي مقدمته وثائق الأعراس المغربية في القرن العشرين، الشاهد الأمين الذي يضع النقاط على الحروف، مؤكداً أن الأصالة لا تُشترى ولا تُبتدع، بل هي امتداد حضاري متجذر في أرض المملكة المغربية الشريفة عبر العصور.
فيديوهات للمشاهدة

