سُقُوطٌ فِي فَخِّ الرَّدَاءَةِ، أَزْمَةُ الْوَعْيِ وَالْقِيَمِ: عِنْدَمَا تَتَخَلَّى الشَّوَارِعُ عَنْ هُوِيَّتِهَا لِصَالِحِ مُسْتَنْقَعِ التَّفَاهَةِ… مَظَاهِرُ الِانْسِلَاخِ الْقِيَمِيِّ، وَغَرَقُ النَّاشِئَةِ فِي مُسْتَنْقَعِ الِاسْتِيرَادِ الثَّقَافِيِّ

سُقُوطٌ فِي فَخِّ الرَّدَاءَةِ، أَزْمَةُ الْوَعْيِ وَالْقِيَمِ: عِنْدَمَا تَتَخَلَّى الشَّوَارِعُ عَنْ هُوِيَّتِهَا لِصَالِحِ مُسْتَنْقَعِ التَّفَاهَةِ… مَظَاهِرُ الِانْسِلَاخِ الْقِيَمِيِّ، وَغَرَقُ النَّاشِئَةِ فِي مُسْتَنْقَعِ الِاسْتِيرَادِ الثَّقَافِيِّ

عبدالقادر كتـــرة

لا يمكن للمتتبع الواعي والمشفق على مستقبل مجتمعاتنا العربية والإسلامية أن يمر مرور الكرام أمام تلك المشاهد العبثية التي باتت تغزو بعض فضاءاتنا العامة، تحت مسميات ترفيهية براقة كالاحتفالات التنكرية المستوردة أو ما يُعرف بـ”الكوسبلاي”. إنها ليست مجرد أزياء غريبة أو هوايات عابرة كما يحاول البعض تسويقها، بل هي مرآة صادمة تعكس عمق الأزمة القيمية وفجوة الوعي التي يعاني منها قطاع ليس بضئيل من أجيالنا الناشئة.

حين تتحول الساحات العامة والشوارع إلى مسارح لتقمص شخصيات كرتونية مرعبة أو مستوحاة من ثقافة هامشية لا تربطنا بها أي صلة تاريخية أو حضارية، فإننا لا نشهد مجرد ترفيه بريء، بل نرى فصلاً جديداً من فصول السقوط في بئر الرداءة والتفاهة. إن هذا التقليد الأعمى لأنماط العيش الغربية والآسيوية، دون أدنى وعي بمخاطره، يدل بوضوح على حالة من الانسلاخ القيمي وفقدان البوصلة الهوياتية. جيل بأكمله يُدفع بحسن نية أو بسذاجة نحو استهلاك الفراغ، ليصبح رهينة لمحتوى سطحي يمجّد الشكل ويفرغ المضمون من كل قيمة أو هدف نبيل.

إن الخطورة البالغة في هذه الظواهر تكمن في قدرتها الممنهجة على تسطيح الوعي الجمعي وإشاعة ثقافة الجهل المقنع. فعندما تنصرف اهتمامات الشباب عن قضايا البناء، والتفوق العلمي، والإبداع الحقيقي المرتبط بهموم الوطن والأمة، وتتجسد طاقاتهم في التباهي بأزياء عبثية والبحث عن “التفاعل الرقمي” والفقاعات الوهمية على منصات التواصل الاجتماعي، فإننا نواجه خطراً حقيقياً يهدد مناعة المجتمع من أساسه. إن المجتمعات التي تفرط في هويتها وتستبدل أصالتها بقشور مستوردة لا تنتج حضارة، بل تكرس التبعية والانهزامية الفكرية.

هذا الانحدار المستمر يفرض ناقوس الخطر على الجميع؛ أسرًا، ومؤسسات تربوية، ونخباً مثقفة. لم يعد مسموحاً الاكتفاء بلغة الاستنكار الموسمي أو الصمت المطبق تحت ذريعة الحرية الفردية. إن الحرية الحقيقية تبنى على المسؤولية والوعي، وليست هروباً إلى عوالم افتراضية مريضة تعزل الإنسان عن واقعه وتجعله مستهلكاً بليداً لكل ما أنتجه الآخرون من صغائر الأمور.

إن إنقاذ ما يمكن إنقاعُه يبدأ بالاعتراف بوجود خلل عميق في منظومة القيم والقدوات. وبدلاً من ترك الساحة مشرعة أمام هذا الطوفان من التفاهة والعبث، بات لزاماً صياغة مشروع وطني وثقافي جامع يعيد الاعتبار للأصالة، ويُعلي من شأن العلم والأخلاق والعمل الجاد، ليجد الشباب أنفسهم أمام قدوات حقيقية وبدائل جاذبة تعيد لهم الثقة بأنفسهم وتربطهم بدينهم وهويتهم وقضايا أمتهم الحية.

فيديو للمشاهدة

https://vt.tiktok.com/ZSb

q25t2S/

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *