بَصَمَاتُ “المُعَلِّمِينَ” المَغَارِبَةِ فِي مَسْجِدِ الأَمِيرِ عَبْدِ القَادِرِ بِقُسَنْطِينَةَ: عِنْدَمَا تَتَكَلَّمُ جُدْرَانُ التَّارِيخِ بِلُغَتِهَا الأَصِيلَةِ… كَيْفَ نَسَجَتِ الأَيَادِي المَاهِرَةُ ذَاكِرَةً حَيَّةً بَيْنَ قُسَنْطِينَةَ وَفَاسٍ؟
عبدالقادر كتـــرة
في قلب مدينة الجسور المعلقة، قسنطينة، يقف مسجد “الأمير عبد القادر” شامخاً كواحد من أبهى الصروح الدينية والمعمارية في الجزائر والمغرب الكبير.
بين مآذنه العالية وأروقته المهيبة، تتجلى دقة الفن الإسلامي والأندلسي بأبهى صورها. لكن وراء هذه الجماليات المعمارية الخالدة تقبع حكايات وأسرار يرويها “المعلمون” والصنّاع التقليديون الذين وضعت أيديهم اللمسات الزخرفية الأولى، تاركين بصمة حفرت تاريخاً مشتركاً بين أبناء المنطقة.
الأيادي الذهبية.. شهادات وذاكرة حية: تستعيد الذاكرة المعمارية لمسجد الأمير عبد القادر محطات مهمة من بناء هذا الصرح، حيث التحق بورشات بنائه وتزيينه نخبة من الحرفيين وصنّاع الزليج والنقش على الخشب والجص (الجبس) القادمين من المدرسة التقليدية المغاربية العريقة.
لقد كان حضور “المعلم المغربي” جزءاً لا يتجزأ من ملحمة إنجاز هذا المسجد، حيث عكست تشكيلات الزليج الفاسي والدقيق، والنقوش الخشبية المصنوعة بعناية، أعلى مستويات الصنعة والتقنية التي توارثتها الأجيال عبر القرون.
ولم تكن مشاركة هؤلاء الحرفيين مجرد أداء لمهمة عمل عابرة، بل كانت عملية نسيج فني متكامل؛ حيث التقت الخبرات واستعادت قسنطينة حوارها الفني التاريخي مع حواضر أخرى مثل فاس، تلمسان، ومراكش.
المعمار المغاربي المشترك.. أصل واحد وتنوع أصيل: إن الحديث عن حضور الزليج المغربي والفن المعماري التقليدي في معالم الجزائر يتجاوز الحدود السياسية المعاصرة، ليعود بنا إلى الجذور الحضارية الواحدة لبلدان المغرب الكبير.
فمنذ القرون الوسطى، تنقلت الفنون الأندلسية والمغاربية بين القيروان، قسنطينة، تلمسان، وفاس دون استئذان.
ويجسد مسجد الأمير عبد القادر هذا الامتداد الحضاري؛ إذ تتكامل في جنباته هندسة البناء المعاصر مع أصالة “الزليج” والزخرفة الإسلامية، لتبين كيف يمكن للفنون التقليدية أن تكون لغة جامعة تتحدث بها روح المنطقة وتختزل تاريخها الشفوي والمادي.
قراءة في التداعيات والرسائل: إن الكشف عن تفاصيل وبصمات الحرفيين المغاربيين في هذا الصرح يطرح مجموعة من التداعيات والقراءات المهمة على المشهد الثقافي والاجتماعي:
1- إعادة الاعتبار للصانع التقليدي: إن تسليط الضوء على أسماء وشهادات “المعلمين” يعيد القيمة الإنسانية والرمزية للصانع التقليدي الذي وهب حياته للحفاظ على التراث الأصيل، بعيداً عن التجاذبات السطحية.
2- تثمين الذاكرة المعمارية في الجزائر: يفتح هذا الطرح باباً مهماً للباحثين والمؤرخين في الجزائر لتوثيق تاريخ بناء المعالم الكبرى، والاعتراف بتعدد الروافد الفنية التي ساهمت في تشكيل الهوية المعمارية الوطنية.
3- الدبلوماسية الثقافية كجسر بين الشعوب: تثبت الشواهد المادية على جدران المعالم التاريخية أن ما يجمع شعوب المنطقة أكثر بكثير مما يفرقها.
الفن والتراث الأصيل يمثلان قوة ناعمة وقادرة على بناء جسور التواصل الإنساني والثقافي متى ما تم التعامل معهما بروح التقدير والمواطنة المغاربية المشتركة.
ختاما، سيبقى مسجد الأمير عبد القادر بقسنطينة تحفة تزين سماء الجزائر، وشاهداً حياً على أن الفن المعماري لا يحتاج إلى جواز سفر ليعبر القلوب والأماكن. وفي كل قطعة “زليج” تلألأت على جدرانه، تبقى حكاية “معلم” أبدع بصمت، تاركاً إرثاً يذكرنا دائماً بأن الأصالة والتاريخ ملك لمن يصنع الجمال ويحافظ عليه.
فيديو للمشاهدة

