الدَّاخِلَةُ.. مِـنْ رِمَـالِ الصَّحْـرَاءِ إِلى بَـوَّابَةِ الْعَـالَمِ نَحْـوَ إِفْـرِيقْيَا… عُزْلَـةُ الْجِـوَارِ وَصُعُـودُ الْمَمْلَكَـةِ: خَـرِيطَةُ طَـرِيقِ الْأَطْلَسِيِّ الْجَدِيدِ

الدَّاخِلَةُ.. مِـنْ رِمَـالِ الصَّحْـرَاءِ إِلى بَـوَّابَةِ الْعَـالَمِ نَحْـوَ إِفْـرِيقْيَا… عُزْلَـةُ الْجِـوَارِ وَصُعُـودُ الْمَمْلَكَـةِ: خَـرِيطَةُ طَـرِيقِ الْأَطْلَسِيِّ الْجَدِيدِ

عبدالقادر كتـــرة

الداخلة.. حيث ترتسم خريطة العالم الجديد

لم يعد المشهد الجيوسياسي في شمال إفريقيا وغرب المتوسط يخضع لتلك القواعد الكلاسيكية القديمة.

فما حدث في نيويورك مؤخراً، بإعلان رفع مستوى العلاقات بين الرباط وتل أبيب إلى مستوى السفارات تحت رعاية أمريكية، ليس مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، بل هو إعلان صريح عن بدء حقبة جديدة تُصاغ فيها موازين القوى وفق شروط مغربية محضة.

وبينما تراقب بعض العواصم المجاورة هذا التحول بقلق بالغ، يكشف التحليل الهادئ أننا أمام استراتيجية متكاملة تتجاوز لغة الشعارات لتبني واقعاً صلباً على الأرض.

إن الانتقال من “مكاتب الاتصال” إلى “السفارات” يمثل انتقالاً من مرحلة الإجراءات المؤقتة إلى مرحلة التحالف المؤسساتي الثابت. وهو تحول يمنح المغرب أفضليات نوعية، ليس فقط في المجال الدبلوماسي، بل في مجالات التسليح الدقيق والتكنولوجيا المتقدمة، ما يجعل القوات المسلحة الملكية قوة إقليمية ضاربة ورادعة.

ولعل ارتدادات هذا “الزلزال الجيوسياسي” تبدو واضحة في مدريد والجزائر. فإسبانيا، التي طالما حاولت الحفاظ على تفوقها العسكري التقليدي، تجد نفسها اليوم أمام جار يمتلك شراكات تكنولوجية متقدمة ويتحول تدريجياً نحو توطين الصناعة العسكرية.

ورغم محاولات بعض الأوساط الإسبانية التلويح بورقة الاتحاد الأوروبي، إلا أن بروكسل، بواقعيتها المعهودة، تدرك أن شراكتها التجارية والأمنية مع المغرب هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه إرضاءً لأي حسابات ضيقة.

أما في الجزائر، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيداً. فالنظام هناك يرى في هذا التحالف المتقدم طوقاً دبلوماسياً وأمنياً يضيق عليه الخناق. وفي ظل المراقبة الأمريكية الدقيقة للمنطقة، تجد الجزائر خياراتها تتقلص، ومناوراتها الدبلوماسية لصالح الطرح الانفصالي تفقد زخمها أمام جدار متين من الاعترافات الدولية المتتالية بمغربية الصحراء.

لكن الأهم في هذا التحول الاستراتيجي هو التنزيل الميداني المرتقب، وتحديداً في الأقاليم الجنوبية. إن الحديث عن احتمالية فتح قنصليات إسرائيلية أو أمريكية في مدينة الداخلة ليس ترفاً دبلوماسياً، بل هو تتويج لرؤية اقتصادية جبارة.

الداخلة لم تعد مجرد مدينة ساحلية؛ إنها “جوهرة التاج” في المبادرة الملكية الأطلسية التي تهدف إلى ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي.

تخيلوا معي هذا المشهد القريب: ميناء الداخلة الأطلسي، كمركز عالمي للتجارة، ترفرف حوله أعلام قوى عالمية كبرى، تستثمر في الطاقات المتجددة، والزراعة الذكية، والبنية التحتية. هذا الوجود الدبلوماسي هو المظلة التي تحمي الاستثمارات الأجنبية الضخمة، وهو الإعلان النهائي بأن الصحراء المغربية انتقلت من منطقة كانت محط أطماع خارجية، إلى قطب اقتصادي عالمي يربط أوروبا والأمريكيتين بالعمق الإفريقي.

إن المغرب اليوم لا يكتفي بالدفاع عن وحدته الترابية؛ بل يصنع واقعاً لا يمكن تجاوزه. واقع مبني على التحالفات القوية، المصالح الاقتصادية المشتركة، والسيادة المطلقة. وهي رسالة واضحة لكل من يهمه الأمر: القافلة تسير، والمغرب يبني مستقبله بثبات، والداخلة هي البوابة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *