رَصَاصَةُ رَحْمَةٍ فِي أَرْوِقَةِ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ وَنِهَايَةُ الْمُنَاوَرَةِ: الدِّبْلُومَاسِيَّةُ الدَّوْلِيَّةُ تَضَعُ الْجَزَائِرَ وَالْبُولِيسَارْيُو أَمَامَ حَتْمِيَّةِ “الْحُكْمِ الذَّاتِيِّ”

رَصَاصَةُ رَحْمَةٍ فِي أَرْوِقَةِ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ وَنِهَايَةُ الْمُنَاوَرَةِ: الدِّبْلُومَاسِيَّةُ الدَّوْلِيَّةُ تَضَعُ الْجَزَائِرَ وَالْبُولِيسَارْيُو أَمَامَ حَتْمِيَّةِ “الْحُكْمِ الذَّاتِيِّ”

عبدالقادر كتـــرة

استقبل سفير الولايات المتحدة الأمريكية بالامم المتحدة ممثلي جبهة البوليساريو وقال في تغريدة نشرها عبر حسابه بمنصة X:

“التقيتُ بجبهة البوليساريو. لقد انتظر اللاجئون في مخيمات تندوف 50 سنة. إنهم يستحقون خيارات حقيقية، وليس عقدا آخر من الانتظار. إن أساس الحل مطروح على الطاولة”

وهذا معناه:

الحل المطروح على الطاولة هو الحكم الذاتي في اطار السيادة المغربية على الصحراء ولا شيء غيره…

شهدت الكواليس الدبلوماسية للأمم المتحدة تطوراً مفصلياً يعيد رسم قواعد الاشتباك السياسي في النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

التغريدة الصادرة عن ممثلة الولايات المتحدة الأمريكية بالأمم المتحدة عقب لقائها بممثلي جبهة “البوليساريو”، لم تكن مجرد موقف سياسي عابر، بل صياغة دقيقة ومباشرة لـ”العقيدة الأممية الجديدة” التي باتت تحكم مسار هذا الملف داخل أروقة مجلس الأمن.

لقد حملت الرسالة الأمريكية شيفرات دبلوماسية لا تقبل التأويل؛ فالحديث عن “50 سنة من الانتظار” والتأكيد على ضرورة تقديم “خيارات حقيقية”، وصولاً إلى الحسم بأن “أساس الحل مطروح على الطاولة”، يمثل إعلاناً صريحاً بانتهاء صلاحية آليات إدارة النزاع، والانتقال الفعلي نحو الحسم الدبلوماسي لطي الملف نهائياً.

الشرعية الوهمية تحت المجهر الأممي

لعقود متتالية، حاولت جبهة البوليساريو، بدعم مطلق من الجزائر، استغلال منابر الأمم المتحدة —خاصة اللجنة الرابعة والجمعية العامة— لتسويق خطاب المظلومية واستثمار معاناة المحتجزين في مخيمات تندوف كورقة ابتزاز سياسي.

غير أن التصريح الأمريكي الأخير قلب هذه السردية رأساً على عقب؛ فعبارة “لا يجب أن ينتظروا عقداً آخر” حولت ورقة اللجوء من أداة لإدانة المغرب إلى صك اتهام مباشر للقيادة الانفصالية.

في العرف الأممي، هذا التصريح يعني أن استمرار الوضع الإنساني الكارثي في تندوف لم يعد نتاجاً لغياب الحل، بل هو نتيجة مباشرة لتعنت البوليساريو ورفضها الانخراط في “الخيارات الحقيقية” والواقعية التي يوفرها المجتمع الدولي.

لقد جُردت الجبهة من سلاحها الدعائي، وباتت الأمم المتحدة تنظر إليها كمعرقل رئيسي لجهود السلام وليس كـ”حركة تحرر” كما تدعي.

قرارات مجلس الأمن: من “الاستفتاء” إلى “الواقعية السياسية”

لا يمكن قراءة الموقف الأمريكي بمعزل عن التراكم الدبلوماسي الذي حققته قرارات مجلس الأمن المتتالية.

لقد أقبر المنتظم الدولي خيار “الاستفتاء” منذ مطلع الألفية لثبوت استحالته التقنية والسياسية. وبدلاً من ذلك، صاغ مجلس الأمن معجماً جديداً يرتكز على محددات ثابتة: “الحل السياسي، الواقعي، العملي، والمستدام القائم على التوافق”.

عندما تصرح المندوبة الأمريكية بأن “الخيارات الحقيقية مطروحة على الطاولة”، فهي تترجم حرفياً منطوق قرارات مجلس الأمن (بما فيها القرار الأخير) التي ظلت، منذ عام 2007، تصف مبادرة الحكم الذاتي المغربية بـ”الجدية والمصداقية”. هذه المبادرة لم تعد مجرد مقترح من بين مقترحات أخرى، بل أصبحت، بلغة الدبلوماسية الأممية، “الأساس الوحيد” لإنهاء النزاع.

مأزق الجزائر أمام آلية “الموائد المستديرة

هذا التطور الحاسم يضع الدبلوماسية الجزائرية في أضيق زوايا العزلة الأممية. لقد راهنت الجزائر طويلاً على استراتيجية “الوضع القائم” لاستنزاف المغرب، متدثرة بعباءة “البلد الملاحظ”. غير أن نفاد صبر الفاعلين الدوليين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة التي تقود صياغة قرارات الصحراء بمجلس الأمن، يُسقط ورقة التوت عن هذا الموقف.

الرسالة الأمريكية الحازمة بضرورة إنهاء الانتظار، هي في جوهرها دعوة تفعيل لآلية “الموائد المستديرة” التي أرساها المبعوث الأممي الأسبق هورست كولر، والتي تكرس الجزائر كطرف رئيسي في النزاع.

رفض الجزائر المستمر للمشاركة في هذه الموائد يضعها اليوم في مواجهة مباشرة مع إرادة مجلس الأمن، ويحولها في نظر المنتظم الدولي من “مراقب مزعوم” إلى صانع أزمات يهدد استقرار منطقة الساحل والصحراء.

نهاية المناورة وبداية التنزيل

إن الخلاصة السياسية الأبرز لهذا الحراك الدبلوماسي هي أن الأمم المتحدة قد أغلقت قوس النقاش حول “طبيعة الحل”.

القطار الأممي تجاوز محطة المفاضلة بين الخيارات، واستقر عند محطة واحدة: السيادة المغربية المترجمة عبر آلية الحكم الذاتي.

ما يجري اليوم في أروقة المنظمة الدولية ليس سوى تهيئة للأرضية الدبلوماسية للانتقال نحو هندسة “آليات تنزيل” هذا الحل، وضمان عودة آمنة للمحتجزين.

أما أوهام الانفصال، فقد تحولت إلى مجرد أرشيف دبلوماسي انتهت صلاحيته في عالم تحكمه لغة الواقعية السياسية والمصالح الاستراتيجية الكبرى.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *