كارِثَةُ الطَّائِرَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ للْجَزَائِرِ: حِينَ تَدْفَعُ الْأَرْوَاحُ ثَمَنَ “شَيْخُوخَةِ” أُسْطُولِ الطَّيَرَانِ الْجَزَائِرِيِّ… مَتَى يَتَخَلَّصُ الْمُسَافِرُ الْجَزَائِرِيُّ مِنْ رُعْبِ “الْخُرْدَةِ الطَّائِرَةِ” وَعُقُودِ الِاسْتِئْجَارِ؟

كارِثَةُ الطَّائِرَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ للْجَزَائِرِ: حِينَ تَدْفَعُ الْأَرْوَاحُ ثَمَنَ “شَيْخُوخَةِ” أُسْطُولِ الطَّيَرَانِ الْجَزَائِرِيِّ… مَتَى يَتَخَلَّصُ الْمُسَافِرُ الْجَزَائِرِيُّ مِنْ رُعْبِ “الْخُرْدَةِ الطَّائِرَةِ” وَعُقُودِ الِاسْتِئْجَارِ؟

عبدالقادر كتـــرة

أسدل القضاء الفرنسي الستار مؤخراً على واحدة من أسوأ كوارث الطيران التي ارتبطت باسم الجزائر، بإدانة شركة “سويفت إير” الإسبانية بتهمة القتل غير العمد في حادثة تحطم طائرة الرحلة (AH5017) عام 2014، والتي أودت بحياة 116 شخصاً.

الحكم بالغرامة، رغم رمزيته المادية، حمل دلالة قانونية هامة: الخطوط الجوية الجزائرية بريئة من تهمة الإهمال المباشر، والخطأ يعود بالكامل لطاقم الشركة الإسبانية المستأجرة. لكن، هل يكفي هذا الحكم لتبرئة ساحة الناقل الوطني أمام الرأي العام؟ الواقع أن هذه الكارثة لم تكن لتحدث لولا اضطرار الخطوط الجوية الجزائرية للجوء إلى نظام “الاستئجار الشامل” لسد العجز المزمن في أسطولها. وهنا يُطرح السؤال المسكوت عنه: إلى متى سيظل الطيران الجزائري يدفع ضريبة أسطول متقادم ومتهالك؟

فخ الاستئجار والهروب إلى الأمام

في مواسم الذروة، كفصل الصيف ومواسم الحج والعمرة، تجد الخطوط الجوية الجزائرية نفسها عاجزة عن تلبية الطلب المتزايد للمسافرين، خاصة الجالية الجزائرية بالخارج. الحل الأسهل دائماً كان اللجوء إلى استئجار طائرات أجنبية مع طواقمها بأسعار تنافسية.

حادثة “سويفت إير” كشفت العوار الخطير في هذه الاستراتيجية؛ فالشركات الأجنبية التي تقدم عروضاً رخيصة غالباً ما تقتصد في برامج تدريب طواقمها — كما ثبت في قضية غياب الطيار الإسباني عن تدريبات مكافحة الجليد. المشكلة الأساسية ليست في مبدأ الاستئجار المعمول به عالمياً، بل في كونه تحول في الجزائر من “حل استثنائي مؤقت” إلى “ضرورة تشغيلية دائمة” لتغطية عجز الأسطول الوطني.

أسطول يصارع الزمن.. ومسافر يدفع الثمن

لا يحتاج المسافر الجزائري إلى تقارير دولية ليدرك حجم التراجع في مستوى الأسطول الوطني. الصور المتداولة للمقاعد الممزقة، والتجهيزات الترفيهية المعطلة، والشكاوى اليومية من التأخيرات الماراثونية التي تصل أحياناً إلى أكثر من 10 ساعات، هي انعكاس مباشر لـ “شيخوخة” الطائرات.

عندما يتقادم الأسطول، تتضاعف الحاجة إلى الصيانة الدورية الدقيقة. ومع نقص قطع الغيار والضغط التشغيلي، تضطر الشركة إلى إبقاء بعض الطائرات على الأرض لفترات طويلة، مما يربك شبكة الرحلات بالكامل. النتيجة هي حلقة مفرغة: طائرات قديمة تعني أعطالاً أكثر، وأعطال أكثر تعني تأخيرات كارثية، وتأخيرات كارثية تعني انهيار سمعة الشركة وثقة المسافرين.

التكلفة الصامتة للطائرات المتهالكة

إلى جانب السمعة وصبر المسافرين، يستنزف الأسطول القديم مقدرات الشركة اقتصادياً واستراتيجياً من خلال:

1-فاتورة الوقود الباهظة: تستهلك الطائرات من الأجيال القديمة كميات وقود تفوق بكثير نظيراتها الحديثة، مما يرفع تكلفة التشغيل ويمس بهامش الربح.

2- تكلفة الصيانة المرتفعة: كلما تقدمت الطائرة في العمر، زادت تكلفة التأمين عليها وارتفعت فاتورة استبدال القطع، ناهيك عن صعوبة إيجاد قطع غيار لبعض الطرازات القديمة.

3- فقدان التنافسية: في ظل سياسة “الأجواء المفتوحة” والمنافسة الشرسة مع الخطوط الفرنسية، التركية، وشركات الطيران الاقتصادي، لا يمكن للجوية الجزائرية المنافسة بطائرات تفتقر لأبسط معايير الراحة الحديثة (Wi-Fi، شاشات حديثة، كبائن هادئة).

خارطة طريق للإنقاذ: هل تكفي الصفقات الجديدة؟

مؤخراً، استشعرت السلطات الجزائرية خطورة الوضع، وأعلنت عن صفقات كبرى لاقتناء طائرات حديثة من طرازي “بوينغ” و”إيرباص” لتجديد الأسطول وتعزيز شبكة الخطوط، خاصة نحو إفريقيا وآسيا.

هي خطوة إيجابية ومحورية بلا شك، لكن شراء طائرات جديدة لا يصنع لوحده شركة طيران ناجحة. التحدي الحقيقي يكمن في:

– تحديث منظومة الصيانة: لا قيمة لطائرة حديثة إذا استمرت العقلية البيروقراطية في تسيير ورشات الصيانة.

– الرقابة الصارمة: فرض عمليات تدقيق فنية متشددة، ليس فقط على الأسطول الوطني، بل وعلى أي طائرة أجنبية يتم استئجارها مستقبلاً.

– تأهيل الكادر البشري: الاستثمار في تدريب الطيارين والطواقم الفنية للتعامل مع التكنولوجيا المعقدة للطائرات الحديثة.

ختاما، إن حكم محكمة باريس بإدانة “سويفت إير” طوى صفحة أليمة من الناحية القضائية، وأراح الخطوط الجوية الجزائرية من عبء قانوني ثقيل. لكنه يجب أن يُقرأ كرسالة إنذار قاسية؛ فالمسافر الجزائري اليوم لم يعد يقبل بأن يكون رهينة لأسطول متهالك أو لشركات استئجار تبحث عن التوفير على حساب السلامة. إنقاذ الناقل الوطني لم يعد مجرد مسألة تجارية، بل قضية سيادة وطنية واحترام لكرامة وحياة المواطن.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *