مُفَارَقَةُ الْبَقَاءِ وَالْمَوْتِ الْبَطِيءِ: عَدَاوَاتُ الْخُصُومِ تَحْمِي حُكُومَةَ سَانْشِيزَ مِنَ السُّقُوطِ. وَهَلْ تَسْقُطُ حُكُومَةُ بَيْدْرُو سَانْشِيزَ بِسِلَاحِ “الِاخْتِنَاقِ التَّشْرِيعِيِّ”؟
عبدالقادر كتـــرة
تبدو الحكومة الإسبانية برئاسة بيدرو سانشيز، للمتابع من الخارج، وكأنها تسير يومياً على حبل مشدود؛ ائتلاف برلماني هش، أزمات دبلوماسية متلاحقة، وضغوط اقتصادية خانقة. المنطق السياسي التقليدي يوحي بأن حكومة تواجه كل هذه العواصف، بما فيها التوترات الخارجية وتراجع المؤشرات الاستثمارية، يجب أن تسقط بضربة برلمانية قاضية من المعارضة. لكن الواقع المعقد للسياسة الإسبانية يطرح مفارقة غريبة: بيدرو سانشيز لا يستمد بقاءه من قوة تحالفاته، بل من استحالة اتحاد خصومه.
“التناقض الصِفري”: الدرع الدستوري الخفي لقصر المونكلوا
لفهم سر صمود الحكومة الحالية، يجب النظر إلى الخريطة الرقمية لمجلس النواب الإسباني، حيث تقف كتلة اليمين واليمين المحافظ على بُعد خمسة مقاعد فقط من الأغلبية المطلقة اللازمة لإسقاط سانشيز عبر “ملتمس حجب ثقة”.
نظرياً، تبدو هذه المقاعد الخمسة في متناول اليد، لكنها عملياً تمثل جداراً مستحيلاً بسبب ما يُعرف في السياسة الإسبانية بـ “التناقض الصِفري”.
تكمن العقدة في التنافر الوجودي بين مكونات المعارضة والأحزاب الإقليمية المرجحة للكفة. من جهة، يقف حزب “فوكس” (Vox) الذي يبني عقيدته السياسية على مركزية الدولة الإسبانية، ويرى في الأحزاب القومية مثل “معاً لأجل كتالونيا” (Junts) أو الحزب القومي الباسكي (PNV) خطراً يهدد وحدة البلاد، مطالباً بتقليص صلاحيات الحكم الذاتي.
من جهة أخرى، ترى هذه الأحزاب الإقليمية في صعود “فوكس” تهديداً مباشراً لهويتها ومكتسباتها التاريخية.
هذا التنافر يجعل قدرة الحزب الشعبي (PP) المعارض على حشد الطرفين خلف مرشح بديل لسانشيز ضرباً من الخيال.
أي خطوة تفاوضية يخطوها الحزب الشعبي نحو اليمين لإرضاء “فوكس”، تعني القطيعة الفورية مع الأحزاب الباسكية والكتالونية، والعكس صحيح تماماً.
هذه المعادلة الصفرية—حيث مكسب طرف هو خسارة حتمية للطرف الآخر—هي الدرع الأقوى الذي يحمي حكومة سانشيز من السقوط الدستوري المباشر.
سلاح “الموت البطيء”: الشلل التشريعي وحرب الموازنة
إذا كان إسقاط الحكومة بضربة قاضية في البرلمان أمراً مستبعداً، فإن المعارضة والأحزاب غير الراضية عن أداء الحكومة تلجأ إلى استراتيجية أشد وطأة: الاختناق المؤسسي والموت البطيء.
لا يحتاج خصوم سانشيز إلى الاتفاق على رئيس بديل لإنهاء ولايته، بل يكفيهم تعطيل قدرته على الحكم.
الساحة الحقيقية لهذه المعركة ليست ملتمس حجب الثقة، بل الموازنة العامة للدولة. الموازنة هي شريان الحياة لأي حكومة؛ فبدون إقرارها، تُشل قدرة الدولة على تمويل المشاريع الجديدة، وتقديم حزم الدعم الاقتصادي، والاستجابة للأزمات الطارئة، سواء كانت موجات تضخم داخلي أو توترات تجارية خارجية.
هنا يبرز الدور الحاسم للأحزاب الإقليمية، وتحديداً حزب “معاً لأجل كتالونيا” الذي يمتلك سبعة مقاعد تمثل “بيضة القبان”.
يستطيع هذا الحزب الامتناع عن التصويت لصالح الموازنة، بالتنسيق غير المعلن مع كتلة اليمين المعارضة، لتبدأ سلسلة من الإخفاقات التشريعية. سقوط الموازنة يعني انهيار خطة العمل الحكومية للعام بأسره، ويتبعه عادةً سقوط متتالٍ لمشاريع القوانين والمراسيم، ليجد سانشيز نفسه يدير حكومة مع وقف التنفيذ.
الطريق الإجباري نحو صناديق الاقتراع
مع تزايد الضغوط الاقتصادية وتراكم الملفات المعطلة، يتحول بقاء الحكومة من إنجاز سياسي إلى عبء استنزافي.
الشلل التشريعي المستمر يخلق حالة من الاحتقان الشعبي والتذمر في أوساط قطاع الأعمال والمستثمرين، الذين يطالبون ببيئة تنظيمية ومالية واضحة.
في ظل هذا “الموت البطيء”، وحين تصل الحكومة إلى مرحلة العجز التام عن تمرير أبسط القوانين بسبب غياب الأغلبية، لن تحتاج المعارضة إلى جمع 176 صوتاً لإسقاط سانشيز. البديل الواقعي والأكثر ترجيحاً هو أن يجد رئيس الحكومة نفسه مجبراً، هرباً من الاختناق السياسي والاقتصادي، على تفعيل صلاحياته الدستورية بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة، لتكون صناديق الاقتراع هي الحكم الأخير في أزمة استعصت على الحل داخل قاعات البرلمان.

