اَلِاسْتِثْنَاءُ الْمَغْرِبِيُّ: مَاذَا يَعْنِي أَنْ تَقُودَ امْرَأَةٌ السُّلْطَةَ التَّنْفِيذِيَّةَ فِي الْمَمْلَكَةِ؟…وَكَيْفَ يُعَزِّزُ صُعُودُ امْرَأَةٍ لِرِئَاسَةِ الْحُكُومَةِ الْقُوَّةَ النَّاعِمَةَ لِلْمَغْرِبِ إِقْلِيمِيّاً وَدَوْلِيّاً؟
عبدالقادر كتـــرة
في هذا الموضوع أرتأيت المشاركة بمقال تحليلي مفصل يسلط الضوء على مخرجات الانتخابات التشريعية الأخيرة وتصدر حزب الأصالة والمعاصرة للمشهد السياسي.
يركز المقال بشكل أساسي على الدلالات السياسية والمؤسساتية والمكتسبات الدبلوماسية (القوة الناعمة) لتعيين امرأة على رأس السلطة التنفيذية في المغرب، مع استشراف التحديات الماكرو-اقتصادية المرتبطة بالاستحقاقات الكبرى للمملكة.
انتهت الانتخابات التشريعية بالمغرب وفاز حزب الاصالة والمعاصرة(حزب “البام” أو الجرار أو التراكتور) بالمرتبة الاولى بافتكاكه ل97مقعدا من أصل 395، وتلاه حزب الاحرار ب66مقعدا ثم حزب الاستقلال ب65 مقعدا وهو التحالف القديم الجدديد الذي سيقود الحكومة المقبلة مع تغيير في رأسها الذي من المتوقع أن يتم تعيين الشخصية البامية التي سترأسها من طرف جلالة الملك طبقا لدستور المملكة…
كما أفرزت الانتخابات التشريعية المغربية لعام 2026 حضوراً نسائياً قياسياً وتاريخياً في مجلس النواب المغربي؛ حيث بلغ إجمالي عدد النساء الفائزات 107 نائبات من أصل 395 عدد نواب البرلمان (مقابل 96 نائبة برلمانية في التشريعيات السابقة ل2021)
ومن بين الاحتمالات المطروحة، قد يعين جلالة الملك محمد السادس السيدة فاطمة الزهراء المنصوري (محامية وسياسية مغربية، تشغل منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في الحكومة وعمدة مراكش)، بحكم ترأسها لحزب البام في القيادة الثلاثية. ..
لكن برزت بعض الانتقادات والتخوفات وحتى مواقغ رافضة لقيادة امرأة للحكومة وتساؤلات حول مدى قدرتها على الاندماج في البروتوكولات… رغم أنها نعيش في القرن 21 عصر الانترنيت والتكنولوجيا الخارقة الحديثة والذكاء الاصطناعي والمركبات الفضائية والطائرات المسيرة….وليس تعيينها تشريف أو تكريم لشخصية بقدر ما هو تكليف لمسؤول كباقي المغاربة وشهادة لتبوء المرأة المغربية مناصب عليا وحساسة ومشاركتها في الحياة الاجتماعية والسياسة والاقتصادية..
شكلت نتائج الانتخابات التشريعية لشتنبر 2026، التي أفرزت تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للمشهد السياسي بـ 97 مقعداً، وتراجع التجمع الوطني للأحرار إلى المرتبة الثانية، متبوعاً بحزب الاستقلال، محطة مفصلية في التاريخ السياسي المغربي المعاصر. هذا الترتيب لا يعيد فقط رسم خريطة التحالف الحكومي الثلاثي بتبادل لأدوار القيادة، بل يضع المشهد السياسي أمام سابقة دستورية وتاريخية: تولي امرأة، هي السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، قيادة السلطة التنفيذية، تطبيقاً لمنطوق الفصل 47 من دستور 2011.
تجاوز “عقدة البروتوكول”: كفاءة الميدان لا رمزية المنصب
مع كل تحول جذري، تطفو على السطح تساؤلات مجتمعية، وربما تخوفات، حول مدى قدرة القيادة النسائية على التماهي مع صرامة البروتوكولات الرسمية والملكية والدولية التي تحيط بمنصب رئاسة الحكومة. غير أن قراءة متأنية في المسار المهني والسياسي للشخصية المرشحة تبدد هذه الهواجس.
فالمنصوري ليست وافدة جديدة على دوائر القرار المشتعلة؛ إذ إن تدبيرها لعمودية مدينة مراكش لولايتين متفرقتين، وهي المدينة التي تعتبر واجهة المغرب السياحية وعاصمته الدولية لاحتضان كبريات المؤتمرات العالمية، جعلها على تماس دائم ومعقد مع أدق التفاصيل البروتوكولية والأمنية والدبلوماسية.
يضاف إلى ذلك تمرسها القانوني في مهنة المحاماة، وخبرتها الحكومية كوزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، مما يمنحها إلماماً عميقاً بدواليب الإدارة المركزية، والتشريع، ومسالك صناعة القرار. بالتالي، فإن هذا التعيين لا يأتي من باب التشريف أو استكمالاً لـ “كوطا” شكلية، بل هو تكليف دستوري صريح أفرزته صناديق الاقتراع.
تتويج لمسار مؤسساتي متراكم
لا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن الدينامية التي يشهدها المغرب منذ أكثر من عقدين في مجال التمكين السياسي والاقتصادي للمرأة. وصول امرأة لرئاسة الحكومة هو ثمرة تراكمات مؤسساتية وتشريعية، انطلقت من مراجعة مدونة الأسرة، مروراً بالدستور الذي أقر مبدأ المناصفة، وصولاً إلى الحضور الوازن للمرأة في المجالس المنتخبة والمناصب العليا.
في عصر الذكاء الاصطناعي والتكتلات الاقتصادية المعقدة، لم يعد معيار الكفاءة يحتمل التمييز الجندري، بل يقاس بالقدرة على الابتكار في إيجاد الحلول، والنجاعة في تنفيذ السياسات العمومية، وتدبير الأزمات المتلاحقة.
القوة الناعمة وتعزيز العمق الاستراتيجي للمغر
إلى جانب البعد الداخلي، يحمل هذا المعطى رسائل جيوسياسية بالغة الأهمية. إن تقديم المغرب لنموذج سياسي تقوده امرأة في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط سيعطي دفعة استثنائية لـ “القوة الناعمة” للمملكة.
هذا التموقع الجديد يعزز صورة المغرب كدولة مؤسسات حديثة ومستقرة، قادرة على المزاوجة بين الأصالة الثقافية والتحديث المجتمعي.
هذه الصورة المشرقة ستشكل داعماً حيوياً للدبلوماسية المغربية في تسويق مبادراتها الاستراتيجية الكبرى، سواء المتعلقة بجذب الاستثمارات الأجنبية، أو تعزيز الشراكات الماكرو-اقتصادية، أو دعم المبادرات الإقليمية الرامية لربط إفريقيا بالاقتصاد العالمي، حيث يصبح الاستقرار المؤسساتي والانفتاح المجتمعي رأس مال لامادي لا يقدر بثمن.
ثقل الانتظارات: الاقتصاد والمونديال والرقابة البرلمانية
رغم رمزية اللحظة وأهميتها، فإن الحكومة الجديدة ستجد نفسها فور تنصيبها في مواجهة استحقاقات لا تقبل التأجيل، وستُختبر القيادة الجديدة في عدة ملفات معقدة:
أولاً، سيتعين على رئيسة الحكومة (أو رئيس الحكومة) إدارة التوازنات داخل “التحالف القديم-الجديد”، وضمان سلاسة الانتقال بعد قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار للحكومة السابقة.
هذا يتطلب حنكة تفاوضية لتوزيع الحقائب الاستراتيجية دون الإخلال بالانسجام الحكومي.
ثانياً، الوفاء بالالتزامات الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها التعهد بتوفير مليون فرصة عمل، واستكمال تنزيل أوراش الحماية الاجتماعية والدعم المباشر، في ظل ظرفية تتسم بتقلبات التضخم وحساسية سلاسل التوريد العالمية.
ثالثاً، تدبير الميزانيات الضخمة المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030 (والتي تقدر بنحو 20 مليار دولار لتحديث البنية التحتية)، مما يتطلب حكامة مالية صارمة لضمان إنجاز المشاريع في آجالها دون إرهاق التوازنات الماكرو-اقتصادية للبلاد.
رابعاً، العمل تحت ضغط رقابي جديد يتمثل في صعود حزب العدالة والتنمية بـ 54 مقعداً، مما سيعيد الحرارة لجلسات المساءلة البرلمانية، ويفرض على الحكومة الارتقاء بخطابها التواصلي والسياسي.
إن نجاح هذه التجربة الحكومية سيتجاوز كونه نجاحاً لحزب أو لتحالف سياسي؛ بل سيكون ترسيخاً لنجاح نموذج مجتمعي مغربي اختار التدرج في البناء الديمقراطي، ليبرهن للعالم أن تدبير الشأن العام وقيادة الأوراش الاستراتيجية الكبرى هما مسؤولية وطنية تعلو فوق كل الاعتبارات النمطية.

