عَقِيدَةُ الْبَقَاءِ” وَتَكْلِفَةُ الِاسْتِنْزَافِ الْجِيُوسِيَاسِيِّ: كَيْفَ يَرْهَنُ النِّظَامُ الْعَسْكَرِيُّ الْجَزَائِرِيُّ مُسْتَقْبَلَ الدَّوْلَةِ الِاقْتِصَادِيَّ لِصَالِحِ عَقِيدَةِ “الْبُولِيسَارْيُو”

عَقِيدَةُ الْبَقَاءِ” وَتَكْلِفَةُ الِاسْتِنْزَافِ الْجِيُوسِيَاسِيِّ: كَيْفَ يَرْهَنُ النِّظَامُ الْعَسْكَرِيُّ الْجَزَائِرِيُّ مُسْتَقْبَلَ الدَّوْلَةِ الِاقْتِصَادِيَّ لِصَالِحِ عَقِيدَةِ “الْبُولِيسَارْيُو”

عبدالقادر كتـــرة

يواجه الاقتصاد الجزائري مساراً حرجاً يتسم بتزايد العجز المالي، وتقلص الاحتياطيات، والارتهان الهيكلي لقطاع المحروقات. ورغم التحذيرات المتتالية من المؤسسات المالية الدولية، تواصل النخبة العسكرية الحاكمة توجيه الموارد الحيوية للدولة نحو الإنفاق العسكري القياسي وتمويل الأجندات الانفصالية، وعلى رأسها دعم جبهة “البوليساريو”.

تخلص هذه الورقة إلى أن قضية الصحراء المغربية لم تعد مجرد ملف في السياسة الخارجية الجزائرية، بل تحولت إلى “عقيدة وجودية” ترتبط عضوياً ببقاء النظام العسكري، مما يجعله مستعداً للتضحية بالاستقرار الاقتصادي الداخلي، والمخاطرة بإشعال نزاع إقليمي شامل، لتفادي انهيار سرديته وشرعيته المهتزة.

1. السياق والإشكالية: مفارقة الانهيار والتسلح

تشير التوقعات الماكرو-اقتصادية إلى تآكل متسارع في احتياطيات النقد الأجنبي الجزائرية بحلول العقد المقبل وتصاعد في الدين العام، نتيجة غياب التنويع الاقتصادي ونفاد صناديق الضبط. في المقابل، شهدت موازنة الدفاع لعام 2025 قفزة غير مسبوقة لتتجاوز 25 مليار دولار.

تطرح هذه المفارقة الإشكالية التالية: لماذا يختار النظام الجزائري المضي قدماً في سياسة الاستنزاف المالي وإفقار الجبهة الداخلية من أجل إدامة النزاع المفتعل في الصحراء؟

2. التحليل الاستراتيجي: البوليساريو كمسألة “حياة أو موت”

تُفسر ورقة السياسات هذا السلوك غير العقلاني اقتصادياً من خلال أربعة محددات جيوسياسية وداخلية:

– صناعة “العدو الخارجي” لضمان الشرعية الداخلية: يعاني النظام من فجوة شرعية عميقة، ويستخدم حالة “اللا-سلم واللا-حرب” مع المغرب لتبرير قبضته الأمنية على المجتمع الجزائري. التخلي عن ورقة البوليساريو يعني سقوط مبررات الطوارئ غير المعلنة، ما سيضع السلطة وجهاً لوجه أمام المطالب الشعبية بالتنمية والتحول الديمقراطي.

– الغطاء المؤسسي لاحتكار الموارد والقرار: تشكل عقيدة العداء واجهة حيوية لتبرير استحواذ المؤسسة العسكرية على نحو ربع موازنة الدولة دون خضوع لآليات الرقابة المدنية أو المساءلة البرلمانية. كما توفر حالة التوتر بيئة مثالية لاستمرار آليات الريع وتهريب رؤوس الأموال بعيداً عن الشفافية التي تتطلبها الاقتصادات المفتوحة.

– عقدة الريادة ومواجهة دينامية التكامل الإقليمي: يشعر النظام بعزلة متزايدة أمام نجاح مسارات التكامل الإقليمي التي يقودها المغرب. فبينما يتم بناء نماذج تنموية هيكلية، مثل المبادرة الملكية الأطلسية التي تهدف إلى فك العزلة عن دول الساحل ودمج اقتصادات غرب إفريقيا في فضاء بحري وتجاري مستدام، تفتقر الجزائر لأي مشروع اندماجي بديل.

هذا التفاوت الماكرو-اقتصادي يدفع النظام لمحاولة نسف الاستقرار الإقليمي كخيار أخير لمنع تكريس التفوق التنموي لجاره.

– اختطاف مؤسسات الدولة لصالح أجنحة استخباراتية: أصبح تنظيم البوليساريو عنصراً متداخلاً مع البنية العميقة للمخابرات والجيش الجزائريين. أي محاولة لفك هذا الارتباط تعتبر تهديداً للتوازنات الدقيقة بين أجنحة السلطة في “قصر المرادية”، مما يجعل بقاء الكيان الانفصالي ضرورة للحفاظ على تماسك تركيبة النظام ذاته.

3. التداعيات والسيناريوهات المحتملة

استمرار هذه العقيدة يؤسس لسيناريوهات عالية المخاطر:

– السيناريو الاقتصادي: تسريع وتيرة الإفلاس الهيكلي، واضطرار الدولة لتقليص الدعم الاجتماعي، مما ينذر باحتقان واضطرابات اجتماعية داخلية واسعة.

– السيناريو الأمني: لجوء النظام إلى تصدير أزمته الداخلية عبر افتعال اشتباكات مسلحة مباشرة أو بالوكالة، في محاولة يائسة لتوحيد الجبهة الداخلية وتبرير التدهور الاقتصادي بظروف “الحرب”.

– السيناريو الجيوسياسي: تزايد عزلة الجزائر إقليمياً ودولياً مع اصطفاف المجتمع الدولي خلف مبادرات التعاون الاقتصادي والمشاريع العابرة للحدود التي تضمن أمن واستقرار شمال إفريقيا والساحل.

4. التوصيات الاستراتيجية

بناءً على المعطيات السابقة، يُوصى الفاعلون الدوليون والإقليميون بما يلي:

– الضغط لربط الشراكات الاقتصادية بالشفافية: ضرورة مطالبة المؤسسات المالية الدولية للجزائر بضوابط صارمة للفصل بين الميزانيات التنموية ونفقات التسلح غير المبررة.

– عزل الملفات الجيوسياسية عن التعاون الأمني: عدم ارتهان المجتمع الدولي للمساومات الجزائرية التي تستخدم الاستقرار الإقليمي كرهينة لخدمة أجندتها الانفصالية.

– دعم المبادرات التنموية الهيكلية: تعزيز الانخراط في المشاريع الإقليمية الاندماجية (مثل الواجهة الأطلسية ومشاريع البنية التحتية القارية) التي تخلق واقعاً اقتصادياً يتجاوز منطق التجزئة وعسكرة الحدود الذي يتبناه النظام الجزائري.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *