مُحَمَّدُ لَمِينْ وُلْدْ لَفْيَلْ، اَلْمَسْؤُولُ الْأَمْنِيُّ عُنْصُرُ الْمُخَابَرَاتِ السَّابِقُ لِلْبُولِيسَارْيُو: “أَحْدَاثُ الْكَرْكَرَاتِ لَمْ تَكُنْ قَرَارًا صَحْرَاوِيًّا، بَلْ حَرْبًا فُرِضَتْ مِنْ قَصْرِ الْمُرَادِيَّةِ لِتَصْفِيَةِ حِسَابَاتٍ إِقْلِيمِيَّةٍ”
عبدالقادر كتـــرة
أحرى المؤثر اليوتوبرز المناضل الصحراوي الاستقصائي المغربي علي باريش حوارا حصريا مهما جدا من أربع حلقات مع “محمد لمين ولد لفيل”، المسؤول الأمني وعنصر المخابرات السابق في جبهة البوليساريو (والمكلف سابقاً بملف موريتانيا) والصندوق الأسود للبوليساريو: من أواخر المنشقين من عصابة البوليساريو….كشف فيها أسرارا ثقيلة وخطيرة:
– عندما ينطق “الصندوق الأسود”: كيف فضحت قيادات منشقة تحوّل البوليساريو إلى مجرد قناع لجنرالات الجزائر.
– شهادة من الداخل تنهي الجدل: البوليساريو لا تملك قرارها.. وقصر المرادية هو من يفاوض ويُشعل الحروب.
– من “وهم التحرير” إلى “تجارة المخدرات”.. مسؤول مخابراتي سابق يكشف اختطاف الجزائر لقرار الصحراويين.
– اعترافات مزلزلة لمسؤول أمني منشق: لا وجود للبوليساريو خارج حسابات النظام العسكري الجزائري.
طوال عقود، حاولت الدبلوماسية الجزائرية تسويق سردية مفادها أنها مجرد “جار متعاطف” ومراقب في نزاع الصحراء، وأن جبهة البوليساريو حركة مستقلة تملك قرارها وتمثل إرادة الصحراويين.
لكن شهادات حية من قلب المخيمات، ومن داخل الأجهزة الأمنية للجبهة، جاءت لتنسف هذه السردية بالكامل، وتؤكد ما كان المغرب، والمجتمع الدولي، يدركانه دائماً: البوليساريو ليست إلا اسماً حركياً، وقناعاً دبلوماسياً وعسكرياً يضعه النظام العسكري الجزائري لتنفيذ أجنداته الإقليمية.
اعترافات المسؤول الأمني وعنصر المخابرات السابق في جبهة البوليساريو، محمد لمين ولد لفيل، الذي اختار مؤخراً الانشقاق وكسر حاجز الصمت، لم تكن مجرد تصريحات عابرة، بل وثيقة تاريخية وشهادة “صندوق أسود” تكشف تشريحاً دقيقاً لكيفية اختطاف الإرادة الصحراوية، وتحويلها إلى مجرد ورقة مقايضة في رقعة شطرنج قصر المرادية.
– حرب بالوكالة لتصفية حسابات إقليمية
لعل أبرز ما كشفته اعترافات المسؤول الأمني هو حقيقة القرار العسكري والسياسي للجبهة. فبحسب شهادته، فإن أحداث معبر “الكركرات” أواخر عام 2020 وما تلاها من انسحاب البوليساريو من اتفاق وقف إطلاق النار، لم تكن نابعة من إرادة أو استراتيجية للقيادة في تندوف. بل إن القيادة، وعلى رأسها إبراهيم غالي، كانت تدرك تماماً ضعفها العسكري وافتقارها لأي جاهزية.
القرار الحقيقي – كما يوضح المسؤول المنشق – فُرض فرضاً من قصر المرادية بالجزائر، وذلك ليس لخدمة ما يسمى بـ “القضية الصحراوية”، بل لخدمة أجندة النظام الجزائري (بعد مجيء عبد المجيد تبون للسلطة) في إطار تصفية حسابات إقليمية ومحاولة لضرب النفوذ الإماراتي وتقليص حضوره في المنطقة. هكذا، وجد الشباب الصحراوي نفسه يُدفع نحو خطوط تماس ملتهبة ومناطق منزوعة السلاح، ليُقتل بصمت في حروب بالوكالة لا ناقة له فيها ولا جمل، إرضاءً لجنرالات الجزائر ومناوراتهم.
– الملف الدبلوماسي: واجهة خاوية تدار من الجزائر
لم يقتصر ارتهان البوليساريو على الجانب العسكري، بل امتد ليمحو أي استقلالية دبلوماسية.
الشهادات من الداخل تؤكد أن الملف الخارجي ونشاطات البوليساريو في المحافل الدولية والأمم المتحدة سُحبت بالكامل من يد القيادة الانفصالية منذ عام 2019.
الجزائر لم تعد تكتفي بدعم الجبهة لوجستياً، بل باتت هي من تفاوض باسمها، وترسم تحركاتها، وتقرر متى تصعّد ومتى تتراجع. هذا الانكشاف الواضح يعري حقيقة أن “الجمهورية الوهمية” لا تملك من مقومات القرار شيئاً، وأن أي مفاوضات لا تكون الجزائر طرفاً رئيسياً فيها، هي مفاوضات مع “أشباح” لا يملكون سلطة التوقيع أو الالتزام.
– من ثورة مزعومة إلى كارتيلات لتهريب المخدرات
أما على مستوى مخيمات تندوف، فقد رسم المسؤول الأمني السابق صورة قاتمة لواقع يعج بالفساد والتسيب. حيث يتم غض الطرف، بل وتوفير الحماية المباشرة من قبل قيادات الجبهة (وعلى رأسهم إبراهيم غالي) لعصابات التهريب والمخدرات.
هذا الانفلات الأمني المتعمد يحول المخيمات إلى بؤرة للجريمة المنظمة العابرة للحدود، ويخلق تزاوجاً خطيراً بين الانفصال والإرهاب في منطقة الساحل والصحراء.
الهدف من هذا التسيب – وفقاً للشهادة – هو تيئيس الصحراويين، و”تخفيف الضغط الديمغرافي” بدفع الشباب إما للهجرة نحو المجهول، أو الارتماء في حضن عصابات التهريب، بينما تراكم القيادات الانفصالية “المتقاعسة” ثروات طائلة وتعيش في قصور فاخرة خارج المخيمات.
– الحكم الذاتي: شجاعة الحقيقة وسط زيف الشعارات
أمام هذا العبث الجزائري واستمرار المتاجرة بدم ومعاناة الصحراويين، تبرز أصوات العقل والواقعية من داخل النخبة الصحراوية. إقرار المسؤول الأمني المخابراتي السابق بأن مبادرة “الحكم الذاتي” التي يطرحها المغرب هي “الحل العملي والأمثل والوحيد” لإنهاء الأزمة، يمثل ضربة قاصمة لشعارات الحرب والصمود الوهمي التي تروج لها آلة الدعاية الجزائرية.
تلك الأصوات التي تدعو بشجاعة لإنهاء الارتهان للجزائر، وإشراك الأعيان والمشايخ التقليديين في صياغة مصير أبنائهم بعيداً عن القيادة الحالية الفاسدة، تعكس تنامياً حقيقياً لـ “حركة تصحيحية” داخلية.
حركة باتت توقن أن استمرار النزاع ليس إلا محاولة جزائرية لخلق “عقيدة عدائية” تخدم تماسك نظامها الداخلي الهش، وتلهي شعبها عن قضاياه الحقيقية.
-خاتمة: نهاية سردية “المراقب”
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تسقط ورقة التوت الأخيرة عن نظام الجزائر. شهادات قيادات المخابرات والأمن المنشقة من قلب البوليساريو تضع المجتمع الدولي ومجلس الأمن أمام مسؤولية تاريخية للتعامل مع هذا النزاع بواقعية؛ واقعية تنطلق من حقيقة راسخة: لا توجد بوليساريو تقرر، بل توجد جزائر تحرك بيادقها.
وكلما طال أمد هذا العبث، طالت معاناة محتجزين في خيام لا تليق بكرامة الإنسان، تُستثمر آلامهم في حسابات إقليمية ضيقة لا تنتهي.
–

