مِنْ مِنْبَرِ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ، الرَّئِيسُ الْأَمْرِيكِيُّ يَشْكُرُ الدُّوَلَ الْفَاعِلَةَ لِإِعْمَارِ غَزَّةَ، يَتَقَدَّمُهُمُ الْمَغْرِبُ… غَزَّةُ بَيْنَ مَدْرَسَةِ “الْفِعْلِ” الْمَغْرِبِيَّةِ وَمَدْرَسَةِ “الْقَوْلِ” الْجَزَائِرِيَّةِ: الْحَقِيقَةُ تُبْنَى وَلَا تُنْشَدُ
عبدالقادر كتـــرة
في أروقة الأمم المتحدة، حيث تُقاس أوزان الدول بالأفعال لا بـ”الديسيبل” الصوتي لخطاباتها، كان المشهد كاشفاً وفاصلاً. حين وقف الرئيس الأمريكي لتوجيه الشكر للدول التي وضعت يدها في جيبها، وأرسلت أبناءها لحماية وإعمار قطاع غزة، لم تكن القائمة مجرد جرد حساب دولي، بل كانت مرآة عاكسة لواقع عربي جديد؛ واقع يفرز بوضوح بين “مدرسة الفعل” التي تبني وتضمد الجراح، و”مدرسة القوالين” التي تكتفي ببيع الوهم من وراء الميكروفونات.
لقد شكلت الإشادة الأممية والدولية بالمغرب، إلى جانب دول محورية كالسعودية والبحرين، كفاعلين رئيسيين في جهود إعمار غزة، نقطة تحول في مسار التعاطي مع القضية الفلسطينية.
لم يكن هذا الحضور المغربي وليد الصدفة، بل هو استمرار لنهج تاريخي يقوده جلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، مبني على “عقيدة العمل الصامت والمؤثر”.
فالمغرب لم يكتفِ بالانخراط في التحالف المالي لضخ المليارات لإعادة بناء ما دمرته آلة الحرب، بل تجاوز ذلك إلى أسمى درجات التضامن: التواجد الميداني.
إن إرسال المغرب لضباط وعناصر أمنية ومستشفيات ميدانية ضمن قوات الاستقرار الدولية لحفظ الأمن في غزة، هو رسالة واضحة مفادها أن الدم الفلسطيني والكرامة الفلسطينية يستحقان تضحية حقيقية وتواجداً على الأرض، لتأمين توزيع المساعدات، وحماية المدنيين، وتوفير مظلة أمنية تنهي حالة الفوضى وتؤسس لعودة الحياة الطبيعية.
وعلى النقيض تماماً، أسقط هذا الحراك الدولي الجاد ورقة التوت الأخيرة عن الأنظمة المتاجرة بالشعارات، وعلى رأسها النظام الجزائري.
لسنوات طويلة، صدّعت الآلة الإعلامية والدبلوماسية للجزائر رؤوسنا بـ”مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، وبشعارات الممانعة والثورية. لكن عندما حانت لحظة الحقيقة، وعندما احتاجت غزة إلى من يبني مستشفى، أو يرمم مدرسة، أو يرسل جندياً لحفظ الأمن، تبخرت هذه الشعارات في هواء الأمم المتحدة.
إن النظام الجزائري، الذي اعتاد توظيف القضية الفلسطينية كأداة للاستهلاك الداخلي، وكورقة لتصفية الحسابات الإقليمية والمزايدة على دول الجوار، وجد نفسه اليوم خارج معادلة الشرق الأوسط الجديد.
لقد أثبتت الأزمة أن “مدرسة القوال” لا تملك رصيداً يُصرف في بنوك إعادة الإعمار، وأن الخطابات الرنانة في القاعات المكيفة لا توقف نزيف طفل في غزة، ولا تبني سقفاً لعائلة شردتها الحرب.
إن المفارقة اليوم صارخة ومؤلمة؛ فبينما يضع المغرب يده في العجين لترتيب مستقبل آمن للفلسطينيين عبر المساهمة في قوات دولية وتوفير تمويلات ضخمة، يستمر النظام الجزائري في معاركه الدونكيشوتية، مكتفياً بإصدار بيانات التنديد، ومحاولاً التغطية على عجزه الميداني وعزلته الدبلوماسية بافتعال أزمات جانبية لا تخدم سوى أعداء القضية.
لقد غيرت غزة اليوم مقاييس الانتماء للقضية. المواطن الغزي الذي يبيت في العراء لا ينتظر قصيدة ثورية من الجزائر العاصمة، بل ينتظر خيمة، ودواءً، وجرافة تزيل الركام، ويداً آمنة تمتد إليه بالسلام والمساعدة؛ وتلك هي الأيادي المغربية والعربية التي اختارت لغة الفعل.
التاريخ لا يُسجل الخطابات، بل يسجل من بنى ومن رمّم ومن كان حاضراً حين تخلى الجميع. وفي سجل غزة الجديد، كُتب اسم المغرب بحبر الأفعال والإنجازات، بينما تهاوت شعارات “الممانعة الفارغة” لتصبح مجرد صدى باهت في قاعات خاوية. الدبلوماسية الناجحة هي تلك التي تمسح دمعة وتبني مدرسة، أما “دبلوماسية القوالين”، فقد انتهت صلاحيتها الإنسانية والسياسية إلى غير رجعة.

