الْجَزَائِرُ فِي ذَيْلِ مُؤَشِّرِ “جَوْدَةِ الْحَيَاةِ” لِعَامِ 2026.. ثَرَوَاتٌ هَائِلَةٌ وَمُعَانَاةٌ يَوْمِيَّةٌ.. تَرَاجُعُ مُسْتَوَى الْمَعِيشَةِ بِالْجَزَائِرِ وَتَحَدِّيَاتُ الْمُسْتَقْبَلِ

الْجَزَائِرُ فِي ذَيْلِ مُؤَشِّرِ “جَوْدَةِ الْحَيَاةِ” لِعَامِ 2026.. ثَرَوَاتٌ هَائِلَةٌ وَمُعَانَاةٌ يَوْمِيَّةٌ.. تَرَاجُعُ مُسْتَوَى الْمَعِيشَةِ بِالْجَزَائِرِ وَتَحَدِّيَاتُ الْمُسْتَقْبَلِ

عبدالقادر كتـــرة

أثار التقرير الأخير لمؤشر “جودة الحياة” لعام 2026، الصادر عن “كلية وارتون” (Wharton School) المرموقة، موجة من النقاشات بعد أن وضع الجزائر في المرتبة التاسعة ضمن قائمة أسوأ الدول في جودة الحياة.

ورغم أن مثل هذه التصنيفات تعتمد عادة على عينة محددة من الدول (غالباً لا تتجاوز 90 دولة) ولا تشمل كل دول العالم، إلا أن هذا الترتيب المتأخر يضعنا أمام مرآة عاكسة لواقع لا يمكن تجاهله، ويطرح تساؤلات ملحة حول المفارقة بين ما تملكه البلاد من ثروات، وما يعيشه المواطن في يومياته.

مفهوم “جودة الحياة”: أكثر من مجرد اقتصاد لا يقيس مؤشر جودة الحياة حجم الناتج المحلي أو قوة الجيش، بل يركز على يوميات المواطن: هل يشعر بالأمان الوظيفي؟ هل راتبه يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية؟ كيف هي جودة المستشفيات والمدارس؟ وما مدى سهولة تأسيس عمل تجاري أو استخراج وثيقة إدارية؟ انطلاقاً من هذه المعايير، يمكننا فهم الأسباب العميقة التي أدت إلى هذا التراجع.

الاقتصاد الريعي وتآكل القدرة الشرائية

لا يزال الاقتصاد الجزائري يدفع ثمن ارتهانه التاريخي لقطاع المحروقات. فرغم المداخيل الكبيرة من تصدير النفط والغاز، إلا أن هذا القطاع لا يخلق مناصب شغل كافية لاستيعاب مئات الآلاف من خريجي الجامعات سنوياً. وفي ظل التضخم العالمي والمحلي، يجد المواطن الجزائري نفسه في مواجهة تآكل مستمر لقدرته الشرائية. ورغم سياسة “الدعم الاجتماعي” التي تنتهجها الدولة للمواد الواسعة الاستهلاك، إلا أن هذا الدعم لم يعد كافياً لضمان رفاهية حقيقية للطبقة المتوسطة التي تعتبر صمام الأمان لأي مجتمع.

أزمة الخدمات وهجرة العقول

في الجانب الاجتماعي، تمتلك الجزائر مكاسب لا يمكن إنكارها مثل مجانية التعليم والصحة، لكن التحدي الحقيقي اليوم انتقل من “الوفرة والمجانية” إلى “الجودة”.

فالمستشفيات العمومية تعاني من ضغط كبير ونقص في التجهيزات الحديثة، بينما تواجه الجامعات صعوبة في ربط خريجيها بسوق العمل.

هذا الواقع يغذي واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد مستقبل البلاد: هجرة الكفاءات (نزيف الأدمغة). فالأطباء، والمهندسون، والباحثون باتوا يبحثون عن بيئات عمل تقدر كفاءاتهم وتوفر لهم ظروف حياة أفضل في أوروبا وأمريكا الشمالية، ناهيك عن الإحباط الذي يدفع ببعض الشباب نحو قوارب الهجرة غير النظامية.

البيروقراطية: العدو الأول للتنمية

لا يمكن الحديث عن تحسين جودة الحياة دون التطرق إلى بيئة الاستثمار والإدارة. لا تزال البيروقراطية الإدارية والتعقيدات البنكية تشكل حجر عثرة أمام الشباب الطامح لتأسيس مشاريع ابتكارية، وأمام المستثمرين الأجانب والمحليين على حد سواء.

غياب الرقمنة الشاملة والبطء في تحديث المنظومة المصرفية يضيع على البلاد فرصاً هائلة لخلق ثروة بديلة عن النفط.

نحو المستقبل.. فرصة للتدارك

الترتيب المتأخر في مؤشر عالمي ليس حكماً بالإعدام، بل هو “جرس إنذار” يجب أن يُسمع بوضوح.

الجزائر تمتلك مقومات جبارة للنهوض: مساحة قارية، تنوع مناخي، ثروات طبيعية غير مستغلة (كالمعادن والطاقات المتجددة)، والأهم من ذلك كله، طاقة شبابية هائلة.

للخروج من هذا النفق، تتطلب المرحلة الحالية قرارات شجاعة تتجاوز الحلول الترقيعية. يجب الانتقال الفعلي نحو “اقتصاد المعرفة”، تحرير المبادرات الخاصة من قبضة البيروقراطية، والإسراع في رقمنة مؤسسات الدولة لتعزيز الشفافية ومحاربة الفساد. كما أن تحسين جودة الحياة يتطلب إشراك الكفاءات الوطنية، في الداخل والخارج، في صناعة القرار التنموي.

في النهاية، الأوطان لا تُبنى بأسعار براميل النفط، بل تُبنى براحة مواطنيها، وبجودة تعليم أبنائها، وبمدى ثقتهم في مؤسساتهم ومستقبلهم على أرضهم.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *