بَيْنَ وَاشِنْطُنَ وَبِكِينَ.. إِسْبَانِيَا تَخْشَى الصُّعُودَ الصَّامِتَ لِلْمَغْرِبِ… الْعَصْرُ الذَّهَبِيُّ لِلدِّبْلُومَاسِيَّةِ: الْمَغْرِبُ يُعِيدُ رَسْمَ خَرِيطَةِ النُّفُوذِ فِي الْمُتَوَسِّطِ
عبدالقادر كتـــرة
أكد الخبراء الإسبان أن الولايات المتحدة تتجه لتهميش إسبانيا لصالح المغرب، حيث تعتبر واشنطن الرباط الحليف الإقليمي الأول والشريك المفضل والأكثر استقراراً في حوض البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا، رغم كون إسبانيا عضواً في حلف الناتو.
وأشاروا إلى أن الصين اختارت المغرب كـ”محور ارتكاز” لعملياتها العالمية الجديدة. بكين تستثمر بكثافة في البنية التحتية المغربية (مثل مدينة “طنجة تيك” الذكية) وتخطط لجعل مئات الشركات الصينية تعمل من هناك، مستفيدة من الموقع الجغرافي واتفاقيات التبادل الحر التي تربط المغرب بأوروبا وأمريكا
– تجاوز الدور التقليدي
لعقود طويلة، نظرت العواصم الأوروبية، وخاصة مدريد، إلى المغرب من زاوية ضيقة تركز على الأمن والهجرة؛ “الدركي” الذي يحرس الحدود الجنوبية للقارة العجوز. لكن المشهد اليوم، في خضم تحولات جيوسياسية عالمية متسارعة، يقدم صورة مغايرة تماماً.
المغرب الجديد يتحدث بلغة المصالح الكبرى، يجذب استثمارات القوى العظمى، ويفرض نفسه كقوة اقتصادية ودبلوماسية لا غنى عنها، متخلصاً من عباءة التبعية ليصنع مستقبله كفاعل رئيسي في المنظومة الدولية.
– سباق القوى العظمى نحو الرباط
في مشهد يلخص هذا التحول الجذري، تجد الرباط نفسها اليوم نقطة تقاطع نادرة بين قطبي الصراع العالمي: الولايات المتحدة والصين.
– المظلة الأمريكية الثابتة: لم يعد الدعم الأمريكي مقتصراً على لغة الدبلوماسية الكلاسيكية، بل تُرجم إلى دعم سياسي قوي واستثنائي، وشراكة عسكرية متينة تجعل من المغرب الحليف الأمني المفضل لواشنطن في المنطقة.
هذا التقارب الاستراتيجي أحدث خللاً في موازين القوى، متجاوزاً في بعض جوانبه دولاً حليفة تقليدية وعضوة في حلف الناتو مثل إسبانيا.
– الرافعة الاقتصادية الصينية: بالتوازي مع ذلك، لم تتردد بكين في اختيار المغرب كـ”محور ارتكاز” عالمي لعملياتها. استثمارات صينية بمليارات الدولارات تتدفق اليوم نحو البنية التحتية، وتحديداً نحو صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات، مستفيدة من الموارد الطبيعية المغربية والموقع الجغرافي الذي يربط إفريقيا بأسواق أوروبا وأمريكا عبر اتفاقيات التبادل الحر.
– الارتباك الإسباني أمام المنافس الشرس
هذا التموقع المغربي الذكي أثار حالة من “القلق الاستراتيجي” الواضح داخل النخب وصناع القرار في إسبانيا.
لقد أدركت مدريد أن جارها الجنوبي لم يعد مجرد شريك يسهل توجيهه، بل تحول إلى منافس اقتصادي شرس.
موانئ مغربية عملاقة مثل “طنجة المتوسط” تزاحم بكل قوة موانئ شبه الجزيرة الإيبيرية، وصناعات حديثة تسحب البساط من تحت أقدام الشركات الأوروبية.
هذا الواقع يفرض على إسبانيا التخلص من نظرتها الفوقية السابقة وتأسيس علاقة مبنية على الندية والاعتماد المتبادل، خصوصاً مع الاستحقاقات التاريخية المشتركة كاستضافة كأس العالم 2030.
– عبقرية التموقع المتعدد
في عالم يتجه نحو الاستقطاب الحاد واختيار المعسكرات، ينجح المغرب ببراعة في تطبيق استراتيجية “التحوط والتموقع المتعدد”. فهو يضمن المظلة الدبلوماسية والأمنية الأمريكية، ويفتح في نفس الوقت ذراعيه للتكنولوجيا ورأس المال الصيني، دون أن ينخرط في حرب الاصطفافات المباشرة.
هذه الدينامية تؤكد أن قوة الدول في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بحجمها أو إرثها الاستعماري، بل ببراغماتيتها وقدرتها على استباق التحولات لحجز مقعد متقدم في النظام العالمي الجديد.

