تُونِسُ مِن مَهْدِ الرَّبِيعِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ إِلَى مُعْتَقَلٍ كَبِيرٍ.: قَيْسُ سَعِيدُ وَاحْتِكَارُ السُّلْطَةِ الْمُطْلَقَةِ.. تَسْجِيلُ 23 حَالَةَ وَفَاةٍ دَاخِلَ السُّجُونِ التُّونِسِيَّةِ الْمُكْتَظَّةِ فِي ظُرُوفٍ صَعْبَةٍ وَكَارِثِيَّةٍ
عبدالقادر كتـــرة
أثارت حادثة تسجيل 23 حالة وفاة داخل السجون التونسية خلال صيف 2026 أزمة إنسانية وحقوقية عميقة، لتسلط الضوء على التقاطع المباشر بين التغير المناخي وتدهور البنية التحتية العقابية.
تكشف هذه الأزمة عن ثغرات هيكلية في منظومة العدالة وظروف الاحتجاز، متجاوزة البعد المحلي لتطرح تساؤلات جدية حول التزام الدولة بالمعايير الدولية لمعاملة السجناء.
– السياق الإضافي والميداني للأزمة
– حظر الزيارات الحقوقية: لم يعد يُسمح للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بدخول السجون منذ نوفمبر 2025، مما جعل توثيق هذه الوفيات يعتمد كلياً على تقارير الأطباء والمحامين وشهادات عائلات المتوفين.
– تنوع فئات الضحايا: شملت قائمة الوفيات شخصيات معروفة، منها رجل الأعمال التونسي لزهر سطا ورجل أعمال لبناني.
وتتزامن الحصيلة مع تصاعد مخاوف عائلات الموقوفين السياسيين والإعلاميين، مثل الصحفي محمد اليوسفي الذي تدهورت صحته مؤخراً، وشخصيات معارضة متقدمة في السن كأحمد نجيب الشابي وراشد الغنوشي.
– الموقف الرسمي: رغم اقتراب الحرارة من 50 درجة مئوية في بعض المناطق الداخلية، اشترطت وزارة الصحة صدور تقارير الطب الشرعي لربط أي وفاة بالحرارة، في حين تمسكت إدارة السجون بنفي اتهامات الإهمال وتأكيد توفير الرعاية الطبية.
-ردود أفعال المنظمات الحقوقية الدولية
– المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب: عبرت عن قلقها البالغ إزاء تصاعد الوفيات والظروف الغامضة التي أحاطت ببعضها. وطالبت بفتح تحقيقات مستقلة وشفافة، مشددة على ضرورة السماح للمنظمات غير الحكومية بالوصول الفوري إلى السجون للوقوف على الحقائق.
– الضغط الحقوقي المتصاعد: أطلقت عائلات المعتقلين نداءات استغاثة علنية، محذرة من تحول الزنازين المكتظة، التي تفتقر للتهوية الكافية، إلى بيئات مهددة للحياة.
– أستاذ للقانون الدستوري رئيسا تونس ومسار حقوق الإنسان
لم يكن أشد المتشائمين في تونس يتوقع أن الضربة القاضية لـ “ثورة الياسمين” ستأتي على يد أستاذ للقانون الدستوري.
فبدل أن يكون حارساً للمكتسبات الديمقراطية التي حققها التونسيون بدمائهم ومسارهم الانتقالي الصعب، استُخدمت التأويلات القانونية المتعسفة لتفكيك مؤسسات الدولة تباعاً.
أُغلق البرلمان، وحُل المجلس الأعلى للقضاء، وجُمدت أو شُيطنت الهيئات المستقلة، لتستيقظ تونس على حقيقة مريرة: السلطات الثلاث اختُزلت في قلم شخص واحد يسكن قصر قرطاج، يرى في نفسه المخلص الأوحد، وفي أغلب معارضيه متآمرين أو خونة.
التحول نحو الحكم الفردي المطلق لم يقتصر على تغيير النصوص الدستورية وتفصيلها على مقاس الحاكم، بل امتد لضرب كل مقومات المجتمع المدني والسياسي.
اختفت الأصوات المعارضة، من إعلاميين وسياسيين وحقوقيين ونقابيين، خلف قضبان السجون بذرائع فضفاضة وتهم جاهزة تمس “أمن الدولة”.
لقد تحولت مؤسسات العدالة، بفعل الضغط والترهيب، إلى أدوات لتصفية الخصوم، في غياب تام لأي رقابة مستقلة أو سلطة مضادة قادرة على كبح جماح هذا التفرد السلطوي.
تتجلى أبشع صور هذا الانغلاق في واقع السجون التونسية اليوم. ففي ظل الأزمات المتتالية، تتحول الزنازين المكتظة بمعتقلي الرأي والموقوفين سياسياً إلى بيئات قاسية تنتهك أبسط حقوق الإنسان، وسط تعتيم رسمي ورفض قاطع لفتح الأبواب أمام المنظمات الحقوقية للقيام بدورها الرقابي.
هذه الأزمة الحقوقية ليست سوى انعكاس مصغر لأزمة أعمق تعيشها البلاد بأسرها؛ حيث يُراد للحل الأمني والتوقيفات أن تغطي على الفشل في إدارة الشأن العام.
لم يقف ثمن هذا التفرد بالسلطة عند حدود الانتهاكات الحقوقية، بل امتد ليعزل تونس إقليمياً ودولياً.
فصورة “الديمقراطية الناشئة” التي كانت تجذب الدعم العالمي والتعاطف تبددت، لتحل محلها صورة نظام منغلق يهاجم المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة بخطاب شعبوي متصلب.
هذا التخبط الدبلوماسي، وغياب دولة القانون والمؤسسات المستقلة، أرسل إشارات إنذار شديدة للمستثمرين الأجانب والفاعلين الاقتصاديين.
فالرأسمال يبحث عن بيئة قانونية آمنة وقضاء مستقل يحمي الحقوق، وهي مقومات دمرتها السلطة الحالية، ما أدى إلى تجميد الاستثمارات وهروب رؤوس الأموال، ليترك البلاد تتخبط في عزلة خانقة تفاقم من أزمتها الاقتصادية.
الاستقرار الخادع إن القبضة الأمنية قد تنجح مؤقتاً في إسكات الشارع وإجهاض التحركات الديمقراطية، لكنها تقف عاجزة أمام طوابير الغذاء، والتضخم المتصاعد، والانهيار الاقتصادي.
تغييب الوسائط المدنية والسياسية يعني أن السلطة باتت في مواجهة مباشرة ومكشوفة مع شعب يئن تحت وطأة الأزمات اليومية. تونس اليوم تقف على مفترق طرق خطير، فالتاريخ القريب يؤكد أن الأنظمة التي تتأسس على إلغاء الآخر واحتكار السلطة تحمل في طياتها هشاشتها، فالحلول الأمنية وبناء الجدران لا تصنع تنمية ولا تطعم جائعاً.

