تَبَرُّعَاتُ الْبُولِيسَارْيُو لِضَحَايَا حَرَائِقِ الْجَزَائِرِ.. هَلْ هِيَ ‘سُخْرِيَةُ قَدَرٍ’ أَمْ ‘اِنْهِيَارُ دَوْلَةٍ’؟”…مِنْ مُخَيَّمَاتِ تِنْدُوفَ إِلَى حَرَائِقِ الشَّمَالِ: قِصَّةُ 50 مِلْيُوناً تُثِيرُ الْجَدَلَ فِي الْجَزَائِرِ
عبدالقادر كتـــرة
بينما كانت الجزائر تكابد حرائق الغابات المدمرة في صيف 2026، والتي التهمت آلاف الهكتارات وأودت بحياة عشرات الضحايا، فاجأ خبر متداول على منصات التواصل الاجتماعي الرأي العام: جبهة البوليساريو تعلن جمع تبرعات بقيمة 50 مليوناً (لم تحدد العملة) لصالح المتضررين، على أن مصدر هذه التبرعات يعود إلى مساعدات إنسانية كانت مخصصة في الأصل لسكان مخيمات تندوف المحتجزين.
الخبر الذي رافقته مقاطع فيديو تحليلية، سرعان ما تحول إلى مادة دسمة للجدل، بين مؤيد يعتبره “موقفاً تضامنياً نبيلاً”، ومعارض يصفه بـ”سخرية القدر” ويطرح تساؤلات صادمة عن أولويات التدبير الإنساني في المخيمات.
أولاً: الخبر بين النشر الإعلامي والفراغ الرسمي
حتى لحظة كتابة هذا المقال، لم يصدر أي بيان رسمي من عصابة البوليساريو أو من السلطات الجزائرية أو من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون المحتجزين الذين تطلق عيهم الجزائر تضليلا “اللاجئين” يؤكد أو ينفي صحة هذه التبرعات.
ثانياً: الإشكالية الإنسانية والأخلاقية يطرح إشكاليتين جوهريتين:
1- تحويل وجهة المساعدات: الأموال المخصصة دولياً لتوفير الغذاء والدواء والكهرباء لسكان المخيمات المحتجزين لدى النظام العسكري الجزائري الذين يعانون أوضاعاً معيشية صعبة، كيف يُسمح بتوجيهها إلى حملة تضامنية خارجية، خاصة في وقت كانت فيه المخيمات نفسها تشتعل فيها النيران جراء الحرائق المتزامنة؟
2- التناقض في الأولويات: الصورة التي يرسمها الخبر – وهي مخيمات احتجاز بدل “لجوء” تقدم مساعدات لدولة مضيفة – تثير الحيرة، وتغذي الاتهامات المتكررة للمنظمات الدولية بـ”التغاضي” عن الرقابة الصارمة على كيفية صرف المساعدات، والتي سبق أن اتهمت الجزائر والجبهة بفرض ضرائب غير رسمية عليها.
ثالثاً: تداعيات هذا الخبر ضخمة على المستوى الداخلي والخارجي:
– على الصعيد الداخلي الجزائري: قد يثير الخبر حساسية الرأي العام، خاصة في صفوف المتضررين من الحرائق وعائلات الضحايا، الذين قد يتساءلون: كيف لدولة تستضيف قرابة “200 ألف” محتجز في مخيمات تندوف منذ عقود، أن تكون في موقع المتلقي لتبرعات من هؤلاء التي تسميهم “اللاجئين”؟ هذا يضع الحكومة الجزائرية في موقف حرج أمام معارضيها السياسيين الذين ينتقدون دعمها المالي والعسكري للجبهة على حساب التنمية الداخلية.
– على الصعيد الدولي: في حال ثبوت صحة التحويل، سيكون ذلك “ورقة ضغط” قوية بيد المغرب وخصوم النفوذ الجزائري في المنطقة، لإعادة طرح ملف “استغلال المساعدات الإنسانية” في محافل الأمم المتحدة، مما قد يدفع المانحين (الاتحاد الأوروبي، الأمم المتحدة) إلى فرض آليات رقابة مشددة ومعلقة على المساعدات الموجهة لمحتجزي مخيمات تندوف، وهو سيناريو سيكون له وقع كارثي على الأوضاع المعيشية المتردية أصلاً في المخيمات.
الرسالة الرمزية التي يحملها هذا الخبر – هي “سخرية القدر” أو “تناقض المشهد” – أكبر من مجرد رقم.
فهي تعيد إلى الواجهة السؤال الجوهري حول مستقبل سكان مخيمات تندوف المحتجزين، ومدى شفافية تدبير شؤونهم، ومدى استقلالية القرار الإنساني عن الأجندات السياسية.
في النهاية، يبقى هذا الوضع جرس إنذار للمجتمع الدولي والسلطات الجزائرية على حد سواء: ضرورة فصل العمل الإنساني عن التجاذبات السياسية، وضمان أن تذهب كل مساعدة إلى مستحقيها الفعليين، خاصة في ظل الكوارث الطبيعية التي لا تفرق بين ضفة وأخرى.

