بَيْنَ سَذَاجَةِ الْمُجْتَمَعِ الْجَزَائِرِيِّ وَتَوَاطُؤِ “الْبَلَاطِ”: سُقُوطُ قَضِيَّةِ السُّورِيَّةِ كَرِيمَةَ الشَّامِي “الْأَمِيرَةِ الدكتورة الْمُزَيَّفَةِ حَفِيدَةِ الْأَمِيرِ عَبْدِالْقَادِرِ” الَّتِي اخْتَرَقَتِ الْجَزَائِرَ وَرَكِبَتْهَا وَحَكَمَتْهَا لِسَنَوَاتٍ
عبدالقادر كتـــرة
في سابقة أثارت جدلاً واسعاً وهزت الأوساط العامة، تصدرت قضية المدعوة “كريمة الشامي”، الشابة الحاملة للجنسيتين السورية والأمريكية، واجهة الأحداث بعد الكشف عن تفاصيل انتحالها لصفة “حفيدة الأمير عبد القادر الجزائري”.
القضية لم تتوقف عند حدود الادعاء الشخصي، بل تجاوزتها لتكشف عن اختراق حقيقي لكيانات مؤسساتية ومجتمعية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول آليات التدقيق والرقابة، ويسلط الضوء على البيئة الحاضنة التي سمحت بتمرير هذه الخديعة.
البيئة الحاضنة: بين العاطفة المجتمعية وتواطؤ “البلاط” لم تكن “الأميرة المزيفة” لتنجح في نسج خيوط مسرحيتها لولا اصطدامها بأرض خصبة وفرت لها كل مقومات البقاء والتمدد.
ويمكن تفكيك هذه البيئة التي سهّلت هذا الاختراق إلى مسارين متوازيين:
– العاطفة التاريخية وغياب التفكير النقدي: يستند الوعي الجمعي في الكثير من الأحيان إلى تقديس الرموز التاريخية بطريقة تلغي العقلانية والمساءلة. هذا الارتباط العاطفي المطلق بشخصية بحجم الأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، جعل قطاعات واسعة تتقبل أي ادعاء يمس هذا الرمز دون أدنى تمحيص.
لقد تحولت العاطفة الوطنية الخالصة إلى ثغرة سيكولوجية ومجتمعية استُغلت كـ “جواز مرور” أسقط كل حواجز الحذر.
– التواطؤ المؤسساتي والنخبوي: لا يمكن تفسير وصول محتالة إلى منصات التتويج والمناصب الشرفية بمجرد “القصور الإداري” أو السذاجة المجتمعية البحتة. الحادثة تشير بوضوح إلى وجود “بلاط” من المنتفعين؛ شبكة من النخب، والإعلاميين، ومسؤولي الهيئات الذين وفروا الغطاء الرسمي وصاغوا لها الخطابات.
هذا التواطؤ نابع إما من التكسب المادي وتقاطع المصالح، أو من محاولة هذه الكيانات إضفاء شرعية “تاريخية” مزيفة على نفسها عبر استقطاب أسماء رنانة لتعويض الفراغ في مصداقيتها.
الغطاء المؤسساتي وصناعة الوهم
هذا التواطؤ تُرجم فعلياً على أرض الواقع من خلال وثائق رسمية منحت المحتالة شرعية للتحرك. أظهرت التسريبات، من بينها دعوة رسمية تعود لعام 2018، تورط “أكاديمية المجتمع المدني الجزائري” في تنصيبها رئيسة للمكتب الدولي للأكاديمية بالولايات المتحدة الأمريكية تحت مسمى “سمو الأميرة الدكتورة”.
هذا الاختراق، الذي صاحبه تلميع إعلامي من طرف شخصيات صحفية معروفة، يثبت أن العملية كانت مدبرة ضمن شبكة علاقات متكاملة استهدفت جني أموال طائلة ومكاسب مادية تحت غطاء العمل المدني.
صناعة الأساطير كستار للإخفاقات الداخلية
لا ينفصل لجوء النظام إلى تضخيم هذه الرمزيات وصناعة “أصنام” تاريخية عن واقعه المأزوم؛ بل هو توظيف براغماتي يهدف إلى صرف الانتباه عن الإخفاقات الهيكلية المتراكمة.
فكلما اشتدت وطأة الأزمات الاقتصادية، وتراجعت مؤشرات التنمية، وبرز العجز في تلبية التطلعات السياسية والاجتماعية، يتم تفعيل آلة “التخدير بالأساطير”. إن إشغال الرأي العام بمعارك وهمية حول الهوية أو احتفاليات فارغة بأمجاد الماضي، ليس سوى محاولة يائسة للتغطية على انسداد الأفق السياسي والفشل في بناء دولة المؤسسات الحديثة التي تستند إلى الكفاءة والإنجاز بدل الاسترزاق بالتاريخ.
ختاما، إن استمرار هذه المهازل لا يعكس فقط خللاً إدارياً، بل يفضح استراتيجية ممنهجة تعتمد على تكريس الأساطير التاريخية والسياسية لتوجيه الجماهير وتغييب العقل.
إن الخروج من هذه الدوامة لا يمر عبر ترميم هياكل إدارية متهالكة، بل يتطلب ثورة فكرية تستهدف تفكيك هذه السرديات الوهمية التي يُبرر بها الفشل.
التحدي الحقيقي اليوم يكمن في إيقاظ ملكة التحليل والمنطق لدى المواطن، وتخليصه من عقلية “القطيع” التي تنجر وراء الشعارات الرنانة والشرعيات الزائفة.
فبناء وعي نقدي حقيقي هو السلاح الأنجع لإسقاط هذه الأصنام التي صُنعت لتخدير الشعوب، وهو المدخل الأساسي لأي نهضة تراهن على العقل والمكاشفة، لا على الخرافة وصناعة الأوهام.

