وَهْمُ الْبُطُولَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ: الْمَصَالِحُ التُّرْكِيَّةُ وَرَاءَ تَحْرِيرِ الرَّهِينَةِ التُّرْكِيِّ-الأَلْمَانِيِّ بِالسَّاحِلِ… مِنْ وَهْرَانَ إِلَى هَامْبُورْغَ عَبْرَ النِّيجَرِ.. اللَّغْزُ الْمَكْتُومُ وَرَاءَ الرَّهِينَةِ وَذَهَبِ الصَّحْرَاءِ

وَهْمُ الْبُطُولَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ: الْمَصَالِحُ التُّرْكِيَّةُ وَرَاءَ تَحْرِيرِ الرَّهِينَةِ التُّرْكِيِّ-الأَلْمَانِيِّ بِالسَّاحِلِ… مِنْ وَهْرَانَ إِلَى هَامْبُورْغَ عَبْرَ النِّيجَرِ.. اللَّغْزُ الْمَكْتُومُ وَرَاءَ الرَّهِينَةِ وَذَهَبِ الصَّحْرَاءِ
عبدالقادر كتـــرة

في الثامن من أغسطس 2026، احتفت الأوساط الرسمية والإعلامية في الجزائر بـ”عملية عسكرية نوعية” أفضت إلى تحرير رهينة ألماني اختُطف في صحراء النيجر.
ظهر الرهينة على شاشات التلفزيون الرسمي شاكراً الجزائر ومثنياً على “العملية الكبرى” التي أنقذته من جحيم الاختطاف.
لكن، وخلف بريق هذا الإنجاز الأمني الذي سُوّق للرأي العام، تكشف التحقيقات الاستقصائية عن كواليس مغايرة تماماً؛ واقعٌ تتداخل فيه المصالح الاقتصادية الأجنبية، والدبلوماسية الموازية، وتجارة الذهب الغامضة في منطقة الساحل الإفريقي.
وهم البطولة العسكرية: استلام وتسليم وليس اقتحاماً…. على عكس الرواية التي حاولت تصوير الحدث كعملية إنزال أو اقتحام بطولي خلف الحدود، تؤكد المعطيات الميدانية أن القوات الجزائرية لم تنفذ أي عملية عسكرية داخل الأراضي النيجرية.
ما حدث فعلياً كان مجرد عملية “استلام وتسليم” لوجستية عند النقطة الحدودية “إن قزام”، شاركت فيها المخابرات الجزائرية بعد أن تمت تسوية القضية وتأمين الإفراج عن الرهينة مسبقاً من قِبل أطراف أخرى، ليُنقل بعدها بهدوء نحو القاعدة الجوية في بوفاريك.
هذا التباين الصارخ يطرح تساؤلات جدية حول الدوافع الحقيقية وراء تضخيم الحدث إعلامياً.
نفوذ اقتصادي يوجه بوصلة القرار السيادي الرهينة المحرر، “سينان أولومسكان”، ليس مجرد سائح أوروبي تاه في الصحراء، بل هو رجل أعمال يحمل الجنسية المزدوجة (التركية والألمانية)، ومقرب جداً من شبكات مالية وصناعية تركية بالغة النفوذ، وعلى رأسها عائلة “توسيالي” (Tosyalı) التي تمتلك أضخم استثمار أجنبي للحديد والصلب في الجزائر.
تشير التحقيقات إلى أن هذا اللوبي الصناعي، الذي يحظى بامتيازات اقتصادية هائلة ودعم سياسي مفتوح في الجزائر، هو من تحرك في الكواليس.
عبر قنوات حكومية (من بينها وزارة السكن)، مارس اللوبي ضغوطاً لضمان تدخل الرئاسة الجزائرية بثقلها الدبلوماسي لإنقاذ الرهينة. هذه السابقة تكشف بوضوح كيف يمكن لرأس المال الأجنبي أن يتجاوز حدود الاقتصاد ليوجه السياسة الخارجية والأمنية لدولة بحجم الجزائر.
لعبة الأدوار: البراغماتية التركية والبروباغندا الجزائرية…. لا يمكن قراءة هذه الحادثة بمعزل عن سياسة المحاور في الساحل. فقد لعبت تركيا دوراً يتسم ببراغماتية تصل حد “الخبث الدبلوماسي”؛ حيث تجنبت أنقرة التورط الرسمي المباشر في التفاوض أو الدفع لتفادي الإحراج الدولي، واختارت تحريك أدواتها الاقتصادية النافذة في الجزائر (لوبي توسيالي).
بهذا التحرك، حوّلت تركيا الأجهزة الأمنية والدبلوماسية الجزائرية إلى مجرد “مقاول من الباطن” ينفذ مهام لوجستية تخدم شبكات تجارة الذهب التركية-الأوروبية.
في المقابل، تلقف النظام الجزائري هذه “الخدمة اللوجستية” ليتبناها إعلامياً بأسلوب يفتقر للشجاعة السياسية. فبدلاً من مكاشفة الرأي العام بحقيقة الصفقة، اختار النظام توظيف الحدث لصناعة “بروباغندا” تسوّق لبطولة عسكرية وهمية.
هذا التبني الإعلامي الخادع يكشف عن أزمة عميقة؛ فهو محاولة يائسة لترميم صورة النفوذ الجزائري المتآكل في الساحل، حتى لو كان الثمن الخضوع لإملاءات اللوبي الصناعي التركي الذي بات يوجه بوصلة القرار السيادي من خلف الستار.
الفدية وكسر العقيدة.. ثمن الإرضاء
لعل النقطة الأكثر خطورة في هذا الملف هي كيفية تحرير الرهينة. لسنوات طوال، قادت الجزائر حملة دولية شرسة لتجريم دفع الفديات للجماعات المسلحة، معتبرة إياها الشريان الرئيسي لتمويل الإرهاب. غير أن تحرير “سينان” تم عبر دفع فدية مالية ضخمة من قبل شبكات وأصدقاء الرهينة الأتراك.
التغاضي الجزائري عن هذه الخطوة، وتسهيل عملية الإفراج والتسليم، يُعد ضربة قاصمة لعقيدتها الدبلوماسية والأمنية وتنازلاً مهيناً عن مبادئها؛ إذ تبدو الثوابت الوطنية هنا قابلة للمساومة إذا كان الأمر يتعلق بإرضاء حليف استراتيجي أو مستثمر نافذ.
لغز الواجهات الأوروبية وذهب الساحل
لا تتوقف علامات الاستفهام عند هذا الحد. فالرهينة يمتلك ويدير شركة صغيرة في هامبورغ الألمانية متخصصة في المعادن الثمينة، وهي شركة شهدت تغييرات مريبة في أسمائها ومقراتها ومُلاكها في وقت قياسي. وجود شخص بهذه المواصفات في قلب مناطق التوتر في النيجر، حيث تتنافس العصابات المسلحة والمرتزقة على مناجم الذهب العشوائية، يفتح الباب واسعاً حول حقيقة دوره.
هل الأمر يتعلق بتجارة مشروعة أم بواجهة لغسيل “ذهب الدم” وإيصاله إلى الأسواق الأوروبية بغطاء تركي؟
تداعيات لا يمكن تجاهلها… إن تسويق “انتصارات وهمية” للداخل لتغطية تسويات مالية مع عصابات مسلحة يحمل في طياته مخاطر جسيمة على الأمن القومي الجزائري والإقليمي.
الأموال التي دُفعت كفدية ستتحول غداً إلى أسلحة وذخائر في أيدي جماعات مسلحة تنشط على خطوط التماس مع الحدود الجنوبية للبلاد.
كما أن هذا الملف يُدق ناقوس الخطر حول مدى “التبعية” السياسية للوبيات الأجنبية التي باتت قادرة على تسخير أجهزة الدولة لخدمة مصالحها الخاصة.
في النهاية، الحقيقة وحدها هي التي تحمي الدول والمؤسسات، أما البطولات المصطنعة فلا تزيد المشهد إلا هشاشة وفقداناً لثقة المواطن في دولته.

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *