صُورَةُ وَالِدَةِ بُوتَفْلِيقَةَ بِوَجْدَةَ.. دُرُوسُ التَّارِيخِ الْمَنْسِيَّةُ وَمُسْتَقْبَلُ الْجَزَائِرِ الْمَغَارِبِيُّ: مُفَارَقَةُ “مَجْمُوعَةِ وَجْدَةَ”: اِحْتِضَانٌ مَغْرِبِيٌّ عَفْوِيٌّ.. وَجُحُودٌ سِيَاسِيٌّ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ…

صُورَةُ وَالِدَةِ بُوتَفْلِيقَةَ بِوَجْدَةَ.. دُرُوسُ التَّارِيخِ الْمَنْسِيَّةُ وَمُسْتَقْبَلُ الْجَزَائِرِ الْمَغَارِبِيُّ: مُفَارَقَةُ “مَجْمُوعَةِ وَجْدَةَ”: اِحْتِضَانٌ مَغْرِبِيٌّ عَفْوِيٌّ.. وَجُحُودٌ سِيَاسِيٌّ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ…

عبدالقادر كتـــرة

لا تكتفي الصور القديمة بتجميد لحظة عابرة من الزمن، بل تتحول أحياناً إلى وثائق ناطقة تفضح تناقضات الحاضر وتُسائل التاريخ. صورة فوتوغرافية واحدة بالأبيض والأسود، التقطت في مدينة وجدة المغربية إبان ثورة التحرير الجزائرية (1954-1962)، تكفي لتلخيص حكاية شعبين فرّقتهما السياسة وجمعتهما الجغرافيا والدم.

إنها صورة السيدة المنصورية غزلاوي، والدة الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة، في حفل زفاف محلي بوجدة؛ صورة تفتح الباب واسعاً لقراءة سوسيولوجية وسياسية لماضٍ مجيد، وحاضرٍ مأزوم، ومستقبلٍ يبحث عن بوصلة.

اندماج لا لجوء..

“يايا” في قلب وجدة تظهر الصورة السيدة المنصورية غزلاوي (1916-2009)، التي عُرفت بين أهل وجدة بلقب التودد والاحترام “يايا”.

لم تكن عائلة بوتفليقة، كغيرها من العائلات الجزائرية آنذاك، تعيش في مخيمات لجوء منعزلة أو تعاني من غربة المكان، بل كانت مندمجة حتى النخاع في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة المغربية.

تُشير المعطيات التاريخية إلى أن السيدة المنصورية كانت مكلفة بتدبير حمام “الحاج بوسيف”، الذي كان يرأس “ودادية الجزائريين بوجدة”، بينما كان زوجها أحمد بوتفليقة (المتوفى سنة 1958) مستشاراً مالياً للودادية. هذا التفصيل الدقيق يعكس حقيقة تاريخية ساطعة: التواجد الجزائري في المغرب لم يكن عشوائياً، بل كان مؤطراً ومدعوماً بتسهيلات رسمية وشعبية مغربية، سمحت للثوار وعائلاتهم بالعمل، وجمع التبرعات، وإدارة شؤونهم في بيئة حاضنة وآمنة.

عاصمة الثورة الخلفية ومهد “مجموعة وجدة” لفهم أبعاد هذه الصورة، يجب وضعها في سياقها التاريخي الأوسع. لم تكن وجدة مجرد مدينة حدودية عابرة، بل كانت القاعدة الخلفية الأهم لثورة التحرير الجزائرية (المنطقة الغربية). في أزقتها وشوارعها وُلد عبد العزيز بوتفليقة عام 1937، وفي مدارسها تلقى تعليمه قبل أن يلتحق بجيش التحرير.

في هذه المدينة ذاتها، تشكل ما سيُعرف لاحقاً في أدبيات السياسة بـ “مجموعة وجدة”؛ تلك النخبة العسكرية والسياسية  التي تزعمها هواري بومدين، وضمت بوتفليقة وآخرين، والتي كان لها الفضل في تنظيم وتكميم “جيش الحدود” الذي أصبح القوة الضاربة التي حكمت الجزائر المستقلة لعقود بعد الإطاحة بالحكومة المؤقتة عام 1962.

المفارقة المؤلمة: حين تتنكر السياسة للتاريخ عند التأمل في هذه الصورة اليوم، لا يملك المراقب إلا أن يُصاب بحسرة تاريخية أمام مفارقة سياسية صارخة. فالقادة الذين احتضنهم المغرب، ووُلدوا وترعرعوا في مدنه وتنفسوا هواءه وتشاركوا مع أهله الأفراح والأتراح، هم أنفسهم من قادوا لاحقاً ـ بعد الاستقلال ـ أنظمة دخلت في صراعات دبلوماسية وعسكرية مريرة مع الرباط.

من حرب الرمال، إلى افتعال وتغذية نزاع الصحراء، وصولاً إلى إغلاق الحدود البرية عام 1994 وقطع العلاقات الدبلوماسية مؤخراً؛ تحول التلاحم الوجداني العفوي الذي طرد الاستعمار إلى قطيعة جغرافية وسياسية غير مسبوقة، تُدير ظهرها لروابط الدم والمصاهرة والتاريخ النضالي المشترك.

نحو المستقبل: حتمية تصالح الذاكرة إن استحضار هذا التاريخ عبر صورة “يايا” ليس مجرد نوستالجيا للماضي، بل هو محاولة لاستشراف مستقبل الجزائر والمنطقة المغاربية ككل، خاصة في ظل التحولات العميقة التي تعيشها الجارة الشرقية:

– أولاً: طي صفحة “الشرعية التاريخية”: لقد رحل جيل الثورة، وطوى الموت صفحات أبرز رموز “مجموعة وجدة”. الجزائر اليوم، بشبابها الذي صدح في ساحات “الحراك”، لم يعد يقنعه الاستناد الحصري على السردية التاريخية (شرعية جبهة التحرير)، بل بات يطالب بشرعية ديمقراطية ونهضة اقتصادية حقيقية تتجاوز عقد الماضي.

– ثانياً: التكلفة الباهظة لـ “اللا-مغرب عربي”: تؤكد الروابط العميقة التي تجسدها الصورة، أن أمن وازدهار الجزائر لا يمكن أن يتحقق في عزلة مضطربة عن محيطها المغاربي. إن استمرار حالة التوتر وإغلاق الحدود يمثل استنزافاً اقتصادياً وجيوسياسياً باهظاً للأجيال القادمة في كلا البلدين.

– ثالثاً: التصالح مع التاريخ لبناء المستقبل: لكي تمضي الجزائر نحو استقرار إقليمي مستدام، ستحتاج نُخبها الجديدة ـ عاجلاً أم آجلاً ـ إلى “تصالح شجاع مع الذاكرة”. الاعتراف بالأدوار الإيجابية لدول الجوار في معركة التحرير ليس انتقاصاً من سيادة الجزائر، بل هو حجر الأساس لإنهاء الخلافات المفتعلة، وبناء علاقات براغماتية قوامها الاحترام المتبادل والمصير المشترك.

ختاما، ستبقى صورة والدة الرئيس بوتفليقة في زفاف وجديّ، وثيقة سوسيولوجية عصية على الطمس. إنها تذكرنا، كلما اشتد ضجيج السياسة، بأن ما خطته الشعوب بالدم والمحبة في ساحات النضال المشترك، أكبر بكثير من أن تمحوه جرة قلم سياسية مأزومة، وأن المستقبل في شمال إفريقيا لا يمكن أن يُبنى إلا بالعودة إلى روح التضامن التي أسست لها الأجيال الأولى.

في آخر هذا المقال، لا بد من الإشارة إلى أن المرحومة المنصورية غزلاوي والدة الراحل عبدالعزيز بوتفليقة أوصت بدفنها بجانب زوجها أحمد بوتفليقة، لكن سعيد بوتفليقة شقيق عبدالعزيز رفض نقل جثمانها إلى وجدة وتمسك بدفنها في الجزائر العاصمة…. إذ كان حاقدا على المغرب بامر من عسكر الجزائر خلافا لشقيقه الرئيس الراحل.

للتذكير فقط: والد الرئيس الجزائري الراحل عبد العزيز بوتفليقة هو أحمد بوتفليقة (المعروف أيضاً بأحمد لزعر). وُلد بالقرب من ندرومة بمنطقة تلمسان غرب الجزائر نحو عام 1898، ثم مهاجراً استقر في مدينة وجدة بالمغرب حيث وُلد ابنه عبد العزيز عام 1937، وعمل هناك في التجارة وأنشطة مرتبطة بسوق الخضر.

وُلد في ضواحي منطقة تلمسان (ناحية جبال ترارة وندرومة) غرب الجزائر، في عام 1898.

هاجر من الجزائر لأسباب اقتصادية واستقر في مدينة وجدة بالمملكة المغربية قبل ولادة ابنه عبد العزيز.

عمل في مدينة وجدة بقطاع التجارة وسوق الخضر. تزوج مرتين، ويُعد عبد العزيز بوتفليقة ابناً لزوجته الثانية “منصورية غزلاوي”.

توفي أحمد بوتفليقة (والد الرئيس الجزائري الراحل) في عام 1958، ودفن في مقبرة “سيدي المختار” بمدينة وجدة بشرق المملكة المغربية، حيث كان يستقر ويعمل.

وتوفى الوالد قبل أربع سنوات من استقلال الجزائر، وكان ابنه الأصغر سعيد بوتفليقة في تلك الفترة رضيعاً لم يتجاوز السنة الأولى من عمره.

ولا زال المنزل الذي احتضن عائلة بوتفليقة وشهد ميلاد الرئيس الجزائري الراحل عبدالعزيز بوتفليقة وأصغر وزير خارجية في تاريخ حكومات الدول، لا زال بمدينة وجدة عاصمة الجهة الشرقية بالمملكة المغربية حاضنة وملجأ جماعة مجاهدي جبهة التحرير الجزائرية واندلاع شرارة حرب الاستقلال بالجزائر، في ملكيتها ومنتصبا شامخا يشهد على عمق الروابط العائلية والأخوية والتاريخية للشعبين المغربي والجزائري وتضحية المملكة المغربية من أجل كرامة وحرية الشعب الجزائري الشقيق…

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *