سَقْطَةُ رَئِيسِ الِاتِّحَادِ الْعَالَمِيِّ لِعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي سَبْتَةَ الْمَغْرِبِيَّةِ حِينَ نَطَقَ بِغَيْرِ عِلْمٍ: دَرْسٌ بَلِيغٌ فِي خُطُورَةِ إِقْحَامِ الدِّينِ فِي مَتَاهَاتِ السِّيَاسَةِ وَالْوُقُوعِ فِي خَطِيئَةٍ سِيَاسِيَّةٍ كُبْرَى
عبدالقادر كتـــرة
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} (6 الحجرات).
يأمر الله المؤمنين بالتأكد من صحة أي خبر ينقله شخص فاسق أو غير موثوق، والهدف هو تجنب إيذاء الأبرياء بسبب معلومات خاطئة أو غير مؤكدة، والتسرع في تصديق الشائعات يؤدي إلى الندم بعد فوات الأوان.
هذه الآية الكريمة هي قول الله تعالى في سورة الإسراء (الآية 36): {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}. ومعناها النهي عن اتباع الظن والقول بلا علم، كأن تقول “رأيت” ولم ترَ، أو “سمعت” ولم تسمع، أو ترمي أحداً بباطل.
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ 10} سورة البقرة.
يفعلون فعل المخادع بإظهار الإسلام بلسانهم وإخفاء الكفر في قلوبهم ليحفظوا أنفسهم وضرر خداعهم وعاقبته السيئة لا تقع إلا عليهم وحدهم. ومن شدة جهلهم وضلالهم لا يحسون بأنهم هم المتضررون. في قلوبهم شك ونفاق وضعف إيمان لا يرجى منه شفاء إلا بالتوبة.
“فخ التسييس”، هكذا علق الإعلامي والكاتب الجزائري المعارض أنوار مالك على السقطة الخطيرة للدكتور علي القره داغي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يوجد مقره بدولة قطر ويشتغل بتمويل بميزانية ثقيلة : “عندما تخطئ بوصلة المؤسسات الدينية في خضم هذا الحراك المتسارع، جاءت السقطة الإعلامية والسياسية المدوية للدكتور علي القره داغي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، لتسلط الضوء على خطورة إقحام المؤسسات الدينية في تعقيدات السياسة الدولية. التدخل غير الموفق في أزمة الهجرة بمدينة سبتة، ومحاولة تفسيرها عبر نظرية المؤامرة وربطها بأحداث الشرق الأوسط، لم يكن مجرد زلة لسان، بل كشف عن قصور فادح في قراءة الواقع المغاربي.
الأخطر في هذا التدخل كان المساس الضمني بالسيادة الترابية للمملكة المغربية عبر الاعتراف غير المباشر بإسبانية مدينة سبتة المحتلة؛ وهو ما أثار حفيظة الرأي العام المغربي، وأجبر رئيس الاتحاد على تراجع سريع وتقديم توضيحات متتالية. هذه الحادثة تثبت يوماً بعد يوم أن تسييس المنابر الدينية واستغلال القضايا العادلة لتصفية حسابات إقليمية، يُفقد هذه المؤسسات مصداقيتها ويحولها إلى أدوات تشويش بدلاً من أن تكون جسوراً للتواصل والإصلاح”.
سقط رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين سقطة خطيرة وغير مقبولة من عالم في مستواه، وبدل التراجع والاعتذار أنكر وتنكر لمنشوره (1) الذي يعبر فيه عن موقفه بكلماته وعباراته بوضوح متجاهلا أن المغرب بلد مسلم وأراضيه المحتلة من طرف إسبانيا مسلمة وبها مسلمون يذكرون الله ويعبدونه في مساجدهم واتهم المغرب بدون وجه حق ووالى بلد الكفر، وتناسى أن المغرب كان الحصن المنيع لوحده في حماية أرض الاسلام والعروبة وهو بلد الأولياء والصلحاء وحفظة القرآن وأراصيه المحتلة ضريبة ذلك…
وبدل أن يتراجع ويعتذر عن ادعاءاته حتى لا أقول كذبه (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» رواه البخاري ومسلم) حذف المتشور، وهذا اعتراف بزلته لكن حاول تبريرها بمنشور ثان(2).
عندما تضل بوصلة المؤسسات الدينية في تعقيدات الجغرافيا السياسية
في خضم الحراك المتسارع والأزمات المتلاحقة التي يشهدها العالم، تتجه الأنظار غالباً إلى المؤسسات الدينية والعلمائية لتكون صوتاً للحكمة، وجسراً للتواصل، ومرجعية للأمة في ملماتها.
غير أن هذه المؤسسات تقع أحياناً في “فخ التسييس”، فتتجاوز أدوارها الروحية والدعوية لتخوض في وحل الجغرافيا السياسية المعقدة، مما يؤدي إلى سقطات مدوية تفقدها مصداقيتها وتجعلها أداة للتشويش بدلاً من الإصلاح.
ولعل السقطة الإعلامية والسياسية الأخيرة للدكتور علي القره داغي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، إبان أزمة الهجرة في مدينة سبتة المغربية المحتلة، تمثل نموذجاً صارخاً لهذا الانحراف في البوصلة.
الوقوع في شَرَك “المؤامرة” والمساس بالسيادة بدأت الأزمة بتدخل غير موفق من رئيس الاتحاد، حيث حاول قراءة التدفق غير المسبوق للمهاجرين نحو مدينة سبتة عبر عدسة “نظرية المؤامرة”، رابطاً الحدث بتعقيدات الشرق الأوسط.
فقد ألمح في منشور له إلى أن ما يجري هو عقاب تقف خلفه “أصابع صهيونية” لإسقاط حكومة بيدرو سانشيز الإسبانية، نظير مواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية.
لم يكن هذا التحليل مجرد زلة لسان أو قراءة سطحية لواقع مغاربي معقد، بل حمل في طياته خطيئة سياسية كبرى؛ تمثلت في المساس الضمني بالسيادة الترابية للمملكة المغربية، عبر الاعتراف غير المباشر بإسبانية مدينة سبتة المحتلة.
لقد تناسى هذا الطرح أن المغرب كان، عبر التاريخ، الحصن المنيع في حماية أرض الإسلام والعروبة، وبلد الأولياء والصلحاء، وأن أراضيه المحتلة في الشمال هي ضريبة لهذا الصمود التاريخي.
الغياب عن المنهج القرآني في التثبت
إن المتأمل في هذه الواقعة يستحضر فوراً التوجيهات القرآنية الصارمة التي تحذر من التسرع في إطلاق الأحكام وتبني المواقف دون سند معرفي متين. يقول الحق تبارك وتعالى في سورة الإسراء: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}. إن الخوض في أزمات حدودية عميقة بين دولتين دون إلمام بالخلفيات التاريخية والسياسية يعد مجازفة تتنافى مع هذا المبدأ القرآني القاضي بالنهي عن اتباع الظن والقول بلا علم.
كما أن استقاء التحليلات من منصات التواصل وبناء مواقف عليها يذكرنا بقوله تعالى في سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ}. والهدف هنا جلي؛ وهو تجنب إيذاء الدول والشعوب بمعلومات خاطئة وتأويلات متعسفة.
التبرير الواهن وهروب المؤسسة إلى الأمام
بدل أن يمتلك رئيس الاتحاد شجاعة العالم في التراجع والاعتذار الصريح عن هذا الخطأ الفادح ـ مصداقاً لما تمليه الأمانة العلمية والأخلاقية ـ لجأ إلى مسح المنشور الأول وإصدار توضيح ثانٍ حاول فيه تبرير زلته. ادعى التوضيح أن المادة المنشورة كانت مجرد “تقرير إعلامي” نشره المكتب الإعلامي، في محاولة للتهرب من المسؤولية المباشرة.
هذا الهروب إلى الأمام يعكس استخفافاً بعقول المتابعين، فالحسابات الرسمية للشخصيات الاعتبارية الكبرى تعبر بالضرورة عن مواقف أصحابها.
والتنصل من الخطأ برمي الكرة في ملعب “المكتب الإعلامي” يشبه إلى حد بعيد ما حذر منه القرآن الكريم في وصف المخادعين في سورة البقرة: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}. فإظهار المحبة لأهل المغرب في المنشور الثاني، مع الإبقاء على الجوهر الذي يتجاهل حقهم التاريخي في أراضيهم المحتلة، هو تناقض لا يستقيم مع سمة الصدق التي يجب أن يتحلى بها العلماء.
وفي هذا السياق، يبرز الحديث الشريف الذي رواه البخاري ومسلم: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»، كمعيار أخلاقي يقيس مدى تطابق أقوال المسؤولين مع أفعالهم بشفافية ودون مواربة.
خلاصة القول، إن هذه الحادثة تثبت يوماً بعد يوم أن تسييس المنابر الدينية واستغلالها لمحاولة نصرة قضية عادلة (فلسطين) على حساب قضية وطنية عادلة أخرى (استكمال الوحدة الترابية للمغرب)، هو عبث يضر بالقضيتين معاً.
لا يمكن للمؤسسات الدينية أن تلعب دور “المحلل الاستراتيجي” في قضايا الجيوبوليتيك دون أن تفقد وقارها. لقد أثبت الرأي العام المغربي بيقظته أن قضايا السيادة الوطنية لا تقبل المساومة ولا تخضع للابتزاز العاطفي أو الأيديولوجي.
وعلى الهيئات العلمائية العابرة للحدود أن تستوعب هذا الدرس جيداً؛ فدورها الحقيقي يكمن في جمع الكلمة، وصيانة مقاصد الشريعة، واحترام سيادة الدول، وتجنب السقوط في مستنقع التسييس الذي لا يُنتج سوى الانقسام والتشويش.

