مجرد رأي .. هل بعض التحولات التي أسالت الكثير من الحبر تعني إعادة هندسة المشهد السياسي في الأقاليم الجنوبية ؟ ‏(التحاق السيد الخطاط ينجا بحزب البام كنموذج ) 

مجرد رأي ..  هل بعض التحولات التي أسالت الكثير من الحبر تعني إعادة هندسة المشهد السياسي في الأقاليم الجنوبية ؟  ‏(التحاق السيد الخطاط ينجا بحزب البام كنموذج ) 

سليمة فراجي

قد يختلف المتابعون في تفسير بعض التحولات، منها التحاق اشخاص بتاريخ معين بأحزاب او بحزب معين ، لكن من الصعب إنكار أن الأقاليم الجنوبية مقبلة على مرحلة سياسية مختلفة.

وإذا كان الحكم الذاتي مشروعاً لبناء مؤسسات، فإنه يحتاج أيضاً إلى بناء مشهد حزبي قادر على احتضان تلك المؤسسات. وعندها لن يكون السؤال: من انتقل إلى أي حزب؟ بل: هل أصبح المشهد السياسي مؤهلاً لإنجاح أكبر ورش سياسي في تاريخ الصحراء المغربية التي ناضلنا جميعا من اجل عودتها إلى الوطن الام

و بعيداً عن الجدل الذي رافق انتقال بعض الأسماء إلى هذا الحزب أو ذاك، قد يكون السؤال الحقيقي الذي يستحق أن يطرح اليوم هو: هل بدأت الدولة إعادة هندسة المشهد السياسي في الأقاليم الجنوبية استعداداً للمرحلة المقبلة من قضية الصحراء المغربية؟

لقد عرفت بعض الأقاليم الجنوبية خلال سنوات طويلة هيمنة سياسية واضحة لحزب واحد على أغلب المؤسسات المنتخبة، وهو واقع وفر نوعاً من الاستقرار، لكنه لم يكن يعكس دائماً تعددية سياسية واسعة. واليوم قد تكون المؤشرات متجهة نحو مشهد أكثر تنوعاً، يسمح بحضور قوى سياسية متعددة تتنافس داخل الإطار الوطني نفسه، بما يعزز الممارسة الديمقراطية ويمنح الساكنة خيارات سياسية أوسع.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة أهمية التحاق الخطاط ينجا بحزب الأصالة والمعاصرة.

فالخطاط ينجا ليس اسماً عادياً في المشهد السياسي الصحراوي. فقد راكم تجربة طويلة في تدبير الشأن العام، وتولى مسؤوليات انتخابية متعددة، أبرزها رئاسة مجلس جهة الداخلة – وادي الذهب، كما ظل أحد الوجوه السياسية المعروفة في الدفاع عن القضايا التنموية والوطنية بالأقاليم الجنوبية، وحاضراً في عدد من اللقاءات الوطنية والدولية المرتبطة بالجهوية والتنمية وقضية الصحراء.

وتجدر الإشارة إلى أن ينجا شارك، في إطار الوفد المغربي، في اجتماعي المائدة المستديرة حول قضية الصحراء، المنعقدين في دجنبر 2018 ومارس 2019 في جنيف، بمبادرة من المبعوث الشخصي السابق للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، هورست كوهلر.

ولا يتعلق الأمر هنا بشخص الخطاط ينجا في حد ذاته، وإنما بما قد يعكسه انتقال شخصية بهذا الوزن من إعادة تشكيل للخريطة السياسية في الجنوب، بما يفتح المجال أمام تنافس حزبي أكثر توازناً

إن قراءة الأحداث بمعزل عن السياق الاستراتيجي قد تقود إلى استنتاجات متسرعة. أما إذا وضعناها في إطار ورش الحكم الذاتي الذي أصبح يحظى بدعم دولي متزايد، فإن بعض التحركات السياسية تكتسب دلالات أعمق من مجرد إعادة تموقع حزبي.

فمبادرة الحكم الذاتي ليست مجرد مشروع قانون أو تصور إداري، بل هي مشروع سياسي ومؤسساتي يقوم على تدبير ديمقراطي للشأن المحلي، ويقتضي وجود مؤسسات منتخبة قوية، ونخب سياسية متعددة، وحياة حزبية حقيقية تعكس التعدد الذي يميز الديمقراطيات الحديثة بدل حزب واحد مهيمن

ومن هنا، فإن الانتقال من مشهد يطغى عليه حزب واحد إلى مشهد تتقاسم فيه عدة أحزاب الحضور والتأثير قد لا يكون مجرد تطور انتخابي عادي، بل قد يكون جزءاً من تهيئة البيئة السياسية التي يتطلبها نجاح هذا الورش الوطني.

إن أي حكم ذاتي ناجح لا يقوم على إدارة محلية فحسب، وإنما يحتاج إلى تعددية سياسية حقيقية تسمح بالتنافس بين البرامج، وتداول المسؤوليات، وإنتاج نخب مختلفة، بما يعزز شرعية المؤسسات المنتخبة ويمنح المواطنين حرية الاختيار.

كما أن أي تسوية نهائية للنزاع، وما قد يرافقها مستقبلاً من عودة جزء من ساكنة مخيمات تندوف، ستحتاج إلى فضاء سياسي متنوع يجد فيه الجميع قنوات للمشاركة والانخراط، بعيداً عن احتكار المشهد من طرف قوة سياسية واحدة.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التحاق شخصيات سياسية وازنة، من قبيل الخطاط ينجا، . فالمسألة لا تتعلق بالأشخاص في حد ذاتهم، وإنما بما قد تعكسه هذه التحركات من إعادة تشكيل للخريطة السياسية بالأقاليم الجنوبية، استعداداً لمرحلة جديدة.

ولا شك أن نجاح ورش الحكم الذاتي لن يقاس فقط بما يحققه المغرب دبلوماسياً، بل أيضاً بقدرته على تقديم نموذج سياسي متوازن، يقوم على التعددية، والتنافس الديمقراطي، والنجاعة في تدبير الشأن العام، وهي عناصر تمنح المبادرة المغربية مصداقية أكبر أمام المنتظم الدولي.

لذلك، قد يكون الخبر الحقيقي اليوم ليس انتقال هذا المسؤول أو ذاك إلى حزب معين، وإنما المؤشرات التي توحي بأن الأقاليم الجنوبية تدخل مرحلة سياسية جديدة، عنوانها بناء مشهد حزبي أكثر تنوعاً، وأكثر قدرة على مواكبة الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المملكة في ملف الصحراء.

فإذا صح هذا التحليل، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد إعادة توزيع للأوراق الحزبية، بل قد يكون جزءاً من إعداد هادئ لمرحلة سيكون عنوانها الأبرز وخارطة طريقها : تنزيل الحكم الذاتي في إطار سيادة المغرب ووحدته الترابية، على أسس ديمقراطية ومؤسساتية راسخة

اما فيما يتعلق بالسيد فوزي لقجع والذي قاسمي المشترك معه هو الانتماء إلى جبال بني يزناسن فان هذا التحليل لا بعني التقليل من أهمية التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة، فهو بلا شك يشكل قيمة مضافة لأي تنظيم سياسي ينتمي إليه، بالنظر إلى ما راكمه من تجربة في التدبير والتخطيط، وما أبان عنه من قدرة على قيادة مشاريع كبرى بكفاءة، فضلاً عن الصورة التي يتمتع بها لدى فئات واسعة باعتباره مسؤولاً نجح في إنجاز ملفات معقدة. غير أن هذا المقال لا يناقش الأشخاص، بقدر ما يحاول قراءة التحولات البنيوية التي قد يعرفها المشهد السياسي بالأقاليم الجنوبية في أفق تنزيل ورش الحكم الذاتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *