مُتَلَازِمَةُ الْمَغْرِبِ، مَرَضٌ لَا عِلَاجَ لَهُ: كَيْفَ يَصْنَعُ إِعْلَامُ النِّظَامِ الْعَسْكَرِيِّ الْجَزَائِرِيِّ عَدُوًّا وَهْمِيًّا لِتَجَاهُلِ أَزَمَاتِ الدَّاخِلِ وَحِكْمَةُ التَّجَاهُلِ الْمَغْرِبِي فِي مُوَاجَهَةِ عَبَثِ التَّصْعِيدِ

مُتَلَازِمَةُ الْمَغْرِبِ، مَرَضٌ لَا عِلَاجَ لَهُ: كَيْفَ يَصْنَعُ إِعْلَامُ النِّظَامِ الْعَسْكَرِيِّ الْجَزَائِرِيِّ عَدُوًّا وَهْمِيًّا لِتَجَاهُلِ أَزَمَاتِ الدَّاخِلِ وَحِكْمَةُ التَّجَاهُلِ الْمَغْرِبِي فِي مُوَاجَهَةِ عَبَثِ التَّصْعِيدِ

عبدالقادر كتـــرة

وجه الصحفي الجزائري مقدم برامج على القنوات الفضائية والمحلل سليم صالحي انتقادات لاذعة للواقع الإعلامي والسياسي في بلاده، عبر برنامج حواري (مثل برنامج “المحور” وبرنامج “الحدث” على منصات وقنوات شمال إفريقيا).

وهاجم صالحي المعروف بمواقفه المعارضة للنظام السياسي الجزائري الحالي، ما وصفه بـ”عقدة الجزائر” والتركيز الإعلامي على الشؤون المغربية، وهو انعكاس للخلافات الدبلوماسية المستمرة بين البلدين.

وكثيرًا ما ينتقد هذا الإعلامي المعارض أداء الإعلام الرسمي والصحف المقربة من السلطة في بلاده (مثل انتقاداته الأخيرة لجريدة الخبر ووسائل إعلام أخرى بشأن طريقة تناولها للملفات الإقليمية والأزمات الداخلية كالجرائم والحرائق).

في برنامجه الحواري، سلط المتحدث الضوء على ما أسماه بـ “المرض الذي لا علاج له”، وهو التركيز المفرط والمَرَضي للإعلام والمسؤولين الجزائريين على كل ما يخص المغرب.

يشير الصحفي في حواره إلى أن الإعلام الجزائري يتجاهل الأزمات الداخلية الحقيقية التي يعيشها المواطن (مثل الحرائق والأزمات الاجتماعية والاقتصادية) ويفرغ طاقته في مهاجمة المغرب.

ويبرز استراتيجية التجاهل التي تنهجها الدولة المغربية (ملكاً وحكومة وإعلاماً رسمياً) تجاه الهجمات الإعلامية الجزائرية، وهو ما يُعتبر بحسب الإعلامي سبباً في زيادة “سعار” الآلة الإعلامية الجزائرية، حيث لا تجد صدى أو رداً يغذي خطابها.

لفهم مضمون مداخلة الاعلامي والمحلل سليم صالحي ، يجب وضعه في سياقه الجيوسياسي الأشمل:

– القطيعة الدبلوماسية: منذ غشت 2021، أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب من جانب واحد، ومنذ ذلك الحين، تصاعدت وتيرة العداء الإعلامي بشكل غير مسبوق.

– مفهوم “متلازمة المغرب”: هو مصطلح بات يُستخدم في التحليلات السياسية لوصف حالة “الهوس” التي تسيطر على الخطاب الرسمي الجزائري، حيث يتم توظيف اسم “المغرب” كشماعة لتبرير الإخفاقات الداخلية، أو كعدو خارجي لتوحيد الجبهة الداخلية.

– عقيدة الإعلام الكلاسيكي: يعتمد الإعلام الجزائري (بشقيه العمومي والخاص المقرب من السلطة) على سياسة التعبئة ضد “العدو الكلاسيكي”، في حين يتبنى المغرب على المستوى الرسمي سياسة “اليد الممدودة” التي كررها العاهل المغربي في عدة خطابات، مع تجاهل تام للردود التصعيدية.

من منظور علم الاجتماع السياسي، تلجأ الأنظمة التي تواجه تحديات داخلية (بطالة، تضخم، غياب تنمية شاملة رغم المداخيل النفطية) إلى خلق “عدو خارجي”.

التركيز على المغرب يهدف إلى تشتيت انتباه المواطن الجزائري عن مشاكله اليومية، وتوجيه غضبه نحو الخارج.

– أثر “التجاهل الدبلوماسي”: استراتيجية المغرب بعدم الانجرار إلى مستنقع “الشتائم الإعلامية” تعتبر ضربة قاضية للبروباغندا. عندما تهاجم جهة ولا تتلقى رداً، يظهر خطابها كأنه صراخ في وادٍ، مما يفقدها مصداقيتها حتى أمام جمهورها المحلي بمرور الوقت.

– سقوط حاجز الاحتكار: بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الإعلام الرسمي قادراً على احتكار الحقيقة. المواطن الجزائري بات يرى التطور في البنية التحتية والمشاريع في المغرب (مثل الملاعب، القطار الفائق السرعة، وصناعة السيارات)، ويقارنها بواقعه، مما يخلق حالة من الإحباط وفقدان الثقة في الخطاب الرسمي الذي يصور المغرب على أنه دولة منهارة.

تداعيات على مستقبل الجزائر

إن استمرار تبني هذه العقلية وتكريس “متلازمة المغرب” يحمل تداعيات خطيرة على مستقبل الجزائر:

– أزمة ثقة عميقة: الفجوة بين ما يسوقه الإعلام الرسمي وبين الواقع المعاش ستؤدي إلى قطيعة تامة بين المواطن ومؤسسات الدولة. الأصوات الحرة، كالصحفي في المقطع، هي بداية لتمرد وعي جماعي ضد التضليل.

– استنزاف المقدرات: الاستمرار في سباق التسلح وحرب الاستنزاف الدبلوماسي والإعلامي ضد المغرب سيكلف الخزينة الجزائرية مليارات الدولارات؛ وهي أموال كان من الأجدر استثمارها في تنويع الاقتصاد الجزائري وتطوير بنيته التحتية للخروج من الارتهان لتقلبات أسعار الغاز والبترول.

– العزلة الإقليمية: هذا النهج يعمق من عزلة الجزائر إقليمياً ويزيد من إقبار حلم “المغرب العربي الكبير”، مما يفوت على دول المنطقة فرصاً ذهبية للتكامل الاقتصادي الذي بات ضرورة حتمية لمواجهة التكتلات العالمية.

خلاصة القول، حوار الإعلامي الجزائري يعكس صحوة لدى جزء من النخبة والشعب في الجزائر، الذين بدأوا يدركون أن استعداء الجيران ليس حلاً لمشاكلهم، وأن التنمية الحقيقية تبدأ من إصلاح الداخل وليس من مراقبة وتخوين الخارج.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *