اَلْجَزَائِرُ الْمُتَوَحِّشَةُ: حَفْلٌ فَنِّيٌّ سَاهِرٌ سَاعَاتٍ بَعْدَ الْفَاجِعَةِ الَّتِي أَوْدَتْ بِحَيَاةِ 11 طِفْلًا يَتِيمًا وَمُرَبِّيَتِهِمْ حَرْقًا ، يثيرُ مَوْجَةً مِنَ الْغَضَبِ وَالِاسْتِنْكَارِ
عبدالقادر كتـــرة
انفجرت موجة من الغضب العارمة في الجزائر إثر إقامة حفل فني ساهر في فندق بولاية سكيكدة، بعد ساعات قليلة من فاجعة احتراق دار للطفولة المسعفة بالمحمدية (العاصمة الجزائرية) والتي راح ضحيتها 11 طفلا ومربيتهم.
في مواجهة هذه الضجة، أصدرت وزارة الثقافة الجزائرية بياناً تبرأت فيه من الحفل، مؤكدة أنه نشاط خاص نظمته مؤسسة فندقية تتحمل مسؤوليته، وأن الوزارة لم تمنح أي ترخيص، مٌذكّرة بأنها كانت قد أصدرت تعليمة بتعليق كافة الأنشطة الثقافية الرسمية لمدة 3 أيام حداداً على أرواح الضحايا.
من جهة، في الظروف الاستثنائية، منع الأنشطة في الفضاءات الخاصة (كالفنادق) يتجاوز صلاحيات وزارة الثقافة المباشرة، ليقع على عاتق السلطات المحلية (الوالي، مصالح الأمن، والدرك الوطني).
هذه الجهات هي التي تمتلك السلطة التنفيذية لإيقاف أي تجمع يخالف النظام العام أو الآداب العامة، خاصة في أوقات الحداد غير المعلن رسمياً أو الفواجع الوطنية.
إقامة الحفل يشير إلى وجود فجوة في التنسيق بين المركز (القرارات الوزارية) والمحيط (السلطات المحلية في ولاية سكيكدة)، أو تراخٍ في تطبيق روح التعليمة الوزارية على القطاع الخاص.
من جهة ثانية، بيان وزارة الثقافة الجزائرية، رغم صحته الإدارية (كونها مسؤولة عن القطاع العام وتراخيص المهرجانات الكبرى)، يبدو في نظر المواطن مجرد “تبرير وتسويغ” ومحاولة لرمي الكرة في ملعب القطاع الخاص والسلطات المحلية. المواطن الجزائري لحظات الفاجعة لا يعترف بالحدود البيروقراطية، بل ينتظر موقفاً صارماً من “الدولة” ككيان واحد.
من جهة أخرى، قدرة السلطات على مراقبة التفاصيل الدقيقة في الفضاء الرقمي (مثل المنشورات واللايكات) مقابل عجزها أو تغاضيها عن إيقاف حفل صاخب في فندق، تعزز من شعور المواطنين بازدواجية المعايير. هذا التناقض يغذي السردية التي تتهم السلطات بتفعيل الرقابة فقط عندما يتعلق الأمر بالجانب الأمني والسياسي، وتجاهلها عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية الاجتماعية والأخلاقية.
واخيرا، تنظيم الفندق للحفل يعكس جشعاً تجارياً وانعداماً تاماً للمسؤولية المجتمعية.
في دول أخرى، حتى المؤسسات الخاصة تبادر بإلغاء فعالياتها تضامناً مع المآسي الوطنية للحفاظ على صورتها العامة، مما يعكس خللاً في سلم القيم لدى بعض الفاعلين الاقتصاديين.
هذا الحدث، بتناقضاته، يترك ندوباً عميقة وتداعيات واضحة على الساحة الاجتماعية:
– تعميق أزمة الثقة: مثل هذه الحوادث توسع الهوة بين المواطن ومؤسسات الدولة. يشعر المواطن أن المؤسسات لا تتحرك بدافع المسؤولية الاستباقية، بل تتحرك فقط كرد فعل لإطفاء “حرائق السوشيال ميديا” وامتصاص الغضب الشعبي.
– سلطة مواقع التواصل الاجتماعي (السلطة الخامسة): تؤكد هذه الحادثة أن الفضاء الرقمي أصبح هو الرقيب الفعلي والأداة الأكثر فاعلية للمساءلة في الجزائر. لولا الضجة الافتراضية، ربما مر الحفل دون أي تعقيب رسمي.
– الاستقطاب المجتمعي وصدمة التضامن: الفاجعة مست وتراً حساساً جداً (أطفال أيتام)، وتزامنها مع حفل راقص يخلق حالة من الصدمة النفسية لدى شريحة واسعة من الجزائريين المعروفين بعاطفتهم وتضامنهم. هذا يولد غضباً قد لا يقتصر على السلطات، بل يمتد لمهاجمة الفنانة، منظمي الحفل، وحتى الحضور، مما يثير نقاشات حادة حول “انسلاخ” فئة معينة من المجتمع عن آلام الأغلبية.
– المطالبة بالمحاسبة: التداعيات لن تتوقف عند حدود التنديد، بل ستخلق ضغطاً شعبياً للمطالبة بمحاسبة إدارة الفندق والسلطات المحلية التي سمحت بإقامة الحفل، وتحويل “التنصل الوزاري” إلى قضية رأي عام قد تجبر السلطات العليا على التدخل.
خلاصة القول، المشهد يعكس أزمة مركبة؛ مأساة إنسانية كشفت عن خلل في التنسيق الإداري، وغياب للحس الأخلاقي لدى بعض المؤسسات الخاصة، وتصدع مستمر في جدار الثقة بين الإدارة المركزية والمواطن المكلوم.

