قصة إنسانية مؤثرة عن التضامن بين مغني الراب الأمريكي/المغربي “فرنش مونتانا” وتدخله لإنقاذ سائق تاكسي أجرة جزائري تعرض لإعتداء في نيويورك
عبدالقادر كتـــرة
تفاجأ سائق التاكسي الجزائري “نور الدين” أثناء تأديته لعمله في نيويورك باعتداء من قبل حشود من جماهير فريق “نيويورك نيكس” لكرة السلة، والذين كانوا يحتفلون بفوز فريقهم في الشوارع. تطور الأمر إلى تسلقهم سيارته، تحطيم زجاجها الأمامي، وسحبه بالقوة من مقعده والاعتداء عليه بالضرب.
أُصيب نور الدين بآلام في ظهره وتعرض لدوار شديد بسبب مضاعفات مرض السكري، مما استدعى نقله إلى المستشفى. دفعه هذا الموقف المروع للتفكير جدياً في ترك العمل كسائق تاكسي، خصوصاً وأنه يعمل بجهد لـ 13 أو 14 ساعة يومياً لإعالة أسرته في الجزائر، مما أدخله في ضائقة مالية ونفسية.
بمجرد انتشار القصة، سارع الرابور الامريكي المغربي “فرنش مونتانا” لإطلاق نداء عبر حساباته لمساعدة نور الدين.
هذا التعاطف نبع من إحساس شخصي عميق، حيث أن والد “مونتانا” كان يعمل هو الآخر كسائق تاكسي بعد هجرتهم من المغرب إلى نيويورك، مما جعله يُدرك تماماً حجم التحديات التي يكابدها السائقون المهاجرون.
تعاون مونتانا مع اليوتيوبر الشهير “زاكري ديرينوفسكي” ونقابة سائقي سيارات الأجرة لتنظيم حملة تبرعات واسعة عبر منصة “GoFundMe” بهدف مساعدة نور الدين وتغيير حياته للأفضل.
في غضون أيام قليلة، تمكنت الحملة من جمع أكثر من 75,000 دولار أمريكي. وتختتم القصة الرائعة بلقاء مؤثر بين الرابور المغربي والسائق الجزائري، حيث قام “مونتانا” بتسليمه شيك التبرعات وعانقه، في رسالة إنسانية جميلة تؤكد على التآزر وتتجاوز أي اختلافات.
هذه الحادثة تتجاوز مجرد كونها خبراً عابراً عن اعتداء أو حملة تبرعات؛ إنها قصة تحمل أبعاداً اجتماعية، ثقافية، وإنسانية عميقة.
“فرنش مونتانا” واسمه الحقيقي “كريم خربوش”، هاجر من المغرب إلى الولايات المتحدة في سن المراهقة.
صرح مراراً أن والده اضطر للعمل كسائق سيارة أجرة في نيويورك لإعالة أسرته، مما جعله يعيش نفس المعاناة، وهو ما يفسر التزامه الشخصي العميق بقضية السائق “نور الدين”.
ويعاني سائقو سيارات الأجرة (التاكسي الأصفر أو سيارات التطبيقات) في نيويورك من ظروف عمل قاسية، تشمل ساعات العمل الطويلة، الديون المتراكمة (أزمة ميداليات التاكسي)، والتعرض المستمر لخطر العنف والسرقة، خاصة في أوقات متأخرة أو أثناء تجمعات الجماهير الغاضبة أو المحتفلة بصخب.
الحادثة تسلط الضوء على هشاشة وضع المهاجرين الذين يعملون في المهن الشاقة في الدول الغربية. نور الدين يعمل لـ 14 ساعة يومياً ليرسل المال لعائلته في الجزائر، والاعتداء عليه لم يكن مجرد أذى جسدي، بل كان تهديداً مباشراً لمصدر رزق عائلة بأكملها. تدخل مونتانا كسر الحاجز بين “النجم الثري” و”العامل الكادح”، ليثبت أن الانتماء لطبقة المهاجرين المكافحين لا يمحوه النجاح المادي.
هذا الحادث له بعد مغاربي (رسالة خاوة خاوة)، إذ في ظل التوترات السياسية الملحوظة بين الحكومتين المغربية والجزائرية، تأتي هذه المبادرة لتؤكد على حقيقة راسخة: الشعوب تتجاوز الخلافات السياسية. تضامن رابور مغربي مع سائق جزائري في المهجر يجسد شعار “خاوة خاوة” (إخوة إخوة) بأبهى صوره. الغربة توحد المغاربيين، وتجعلهم عائلة واحدة تواجه نفس التحديات في مجتمعات جديدة.
واستخدام صانع المحتوى “زاكري ديرينوفسكي” (الذي يركز على المحتوى الإنساني) ومنصة “GoFundMe” يبرز الجانب المشرق للسوشيال ميديا. تحولت المنصات من مجرد مكان لنقل الأخبار السيئة أو استعراض العنف، إلى أداة ضغط وتعبئة لجمع 75 ألف دولار في وقت قياسي.
المبلغ المجموع سيمنح نور الدين شبكة أمان مالي تريحه من عبء العمل الإجباري لعدة أشهر، مما يسمح له بالتعافي جسدياً (من آثار الضرب ومضاعفات السكري) ونفسياً، وربما استثمار المبلغ في مشروع أكثر استقراراً وأماناً.
على مستوى الرأي العام الأمريكي، الحادثة فتحت نقاشاً متجدداً حول شغب الملاعب (الهوليغانية) في أمريكا وكيف أن احتفالات رياضية (مثل فوز النيكس) قد تتحول إلى كابوس للمدنيين الأبرياء. كما أنها تسلط الضوء على ضرورة توفير حماية أكبر للعاملين في قطاع النقل.
وعلى مستوى صورة العرب والمسلمين: في وقت تعاني فيه الجاليات العربية أحياناً من تنميط سلبي في الإعلام الغربي، يقدم هذا الحدث سردية مضادة ومشرقة؛ صورة العربي المهاجر المكافح (نور الدين)، والعربي الناجح الذي يرد الجميل لمجتمعه (مونتانا).
ختاما، إن ما حدث هو انتصار للتعاطف على العنف اللامبرر. الجماهير التي حطمت سيارة نور الدين لم ترَ فيه إنساناً أو أباً يكافح من أجل أسرته، بل رأت مجرد “أداة” لتفريغ طاقتها.
في المقابل، رأى فيه فرنش مونتانا “والده”، ورأى فيه المتعاطفون “إنساناً يستحق الدعم”. هذه المفارقة تذكرنا بأن استثمار المشاهير لنفوذهم في قضايا حقيقية وملموسة هو أسمى أنواع التأثير.

