تصريح الخليفة العام لـ “الفيضة التيجانية” بالسينغال يُفجر غضب النظام الجزائري، بوصف “كرامات المجاهدين الجزائريين وبطولاتهم” بالخرافات، ورفض الاعتذار وغادر الجزائر بعد التضييق عليه
عبدالقادر كتـــرة
حسب مقال نشره أحد المواقع الموالين للنظام العسكري الجزائري جاء فيه: “قبل حوالي أسبوع، كان وزير الأوقاف الجزائري “يوسف بلمهدي” يستقبل “الشيخ محمد الماحي إبراهيم نياس”، الخليفة العام لـ “الفيضة التيجانية” بالسينغال، بالقاعة الشرفية لمطار “هواري بومدين” الدولي، و طلب الوزير الجزائري من الشيخ السينغالي أن يقول كلمة في حق المجاهدين أمام وسائل الإعلام، فكان له ما أراد، حيث صرح: “أن في السينغال كانوا و لا يزالون يسمعون الكثير من الخرافات عن كرامات المجاهدين الجزائريين وبطولاتهم…!!“، و هو التصريح الذي تناقلته وسائل الإعلام الجزائرية دون أن يمر من الرقابة، فأغضب الرأي العام وحتى النظام الجزائريين، وتم استدعاء وزير الأوقاف من طرف رئيس الحكومة الجزائري الذي نقل له غضب القيادة العليا بالبلاد، من عدم الرد على الشيخ السينغالي أثناء إدلاءه بتلك التصريحات، وتمت مطالبة الوزير بإصلاح الأمر عبر الدفع بالشيخ للاعتذار عن استخدامه مصطلح “الخرافات”، لوصف البطولات التي تُحكى عن الثوار المجاهدين و كراماتهم، لكن الشيخ التيجاني رفض الاعتذار أو التراجع عن استخدام العبارة، و غادر الجزائر بعد أن شعر بالتضييق عليه بسبب تلك التصريحات…!!”
أراد وزير الأوقاف الجزائري أن يُجَمِّلُ تاريخ الجزائر بالنفخ في مجاهديه ويصبغ وجه الجزائر بالتنميق الكاذب والنفاق بهذا التصريح ل“الشيخ محمد الماحي إبراهيم نياس”، الخليفة العام لـ “الفيضة التيجانية” بالسينغال، والذي لم يقل إلا الحقيقة والواقع في السينغال، فإذا به يحصل على العكس، لأن ما أراده الوزير كان نفاقا وكذبا وتلفيقا لضرب المغرب معقل الزاوية التيجانية فكانت الضربة القاضية كما هي العادة… وما زاد الطين بلة وعمق من غضب العسكر رفض الاعتذار …
تحمل الحادثة أبعاداً تتجاوز مجرد “زلات اللسان” أو سوء الفهم البروتوكولي، لتلمس عصب “الدبلوماسية الروحية” والصراع المحموم على النفوذ في القارة الإفريقية، وتحديداً بين الجزائر والمغرب من خلال الزاوية التيجانية التي تمتلك ملايين الأتباع في غرب إفريقيا (وخاصة السنغال).
لهذا التصريح ورفض“الشيخ محمد الماحي إبراهيم نياس”، الخليفة العام لـ “الفيضة التيجانية” بالسينغال، الاعتذار…تداعيات على سياسة النظام العسكري الجزائري سلبية تمس شرعيته الثورة الجزائرية ووجود جنرالات ثكنة بن عكنون التي يحكمونها بهذه “الشرعية”…
من الناحية اللغوية والثقافية، يُستخدم مصطلح “خرافات” أو “أساطير” على “القصص الخارقة للعادة” أو “البطولات التي يصعب تصديقها لشدة إعجازها”، للتكذيب أو الإهانة.
ومع ذلك، فإن السياسة لا تعترف بالنوايا؛ ففي المخيال السياسي والاجتماعي الجزائري، الثورة التحريرية ومجاهدوها خط أحمر، وتُعتبر شرعية الثورة هي العمود الفقري للنظام والدولة في الجزائر.
استخدام كلمة “خرافة” في سياق رسمي وأمام وسائل الإعلام شكّل صدمة للمستقبلين، لأنها وُظِّفت (قصداً أو دون قصد) في سياق ينفي “الكرامات” والبطولات ويجعلها مجرد أوهام.
كما أن رفض الشيخ التيجاني الاعتذار ومغادرته الجزائر متأثراً بالتضييق، ترك أثراً سلبياً على عدة أصعدة:
1. انتكاسة لـ “الدبلوماسية الروحية” الجزائرية
تحاول الجزائر منذ سنوات سحب البساط أو على الأقل موازنة النفوذ المغربي في الطريقة التيجانية عبر التركيز على منطقة “عين ماضي” (بأغواط الجزائر) كمهد ومسقط رأس مؤسس الطريقة الشيخ أحمد التيجاني.
هذه الحادثة وما تلاها من تشنج رسمي عطلت هذا المسعى، وأظهرت الدبلوماسية الدينية الجزائرية في موقف “المنفعل” وليس “المستوعب”.
2. الحرج السياسي الداخلي
استدعاء وزير الأوقاف وتوبيخه يعكس حالة الارتباك داخل صناعة القرار. النظام الجزائري وجد نفسه في معضلة: إذا مرر التصريح، بدا وكأنه يقبل بالتشكيك في “إرث المجاهدين” ،وإذا ضغط على الشيخ (وهو ما حدث)، خسر حليفاً روحياً وازناً في إفريقيا.
3. تعميق الفجوة مع النخب الدينية في غرب إفريقيا
مريدو “الفيضة التيجانية” في السنغال ودول الجوار ينظرون إلى خليفتهم العام بقدسية شديدة. أي شعور بأن الشيخ تعرض للتضييق أو الإهانة في الجزائر قد يترجم إلى “جفاء روحي وسياسي” من هذه الملايين تجاه الجزائر، مما يضعف امتدادها في العمق الإفريقي.
الأثر على ميزان القوى مع المغرب، إذ تعتبر مدينة فاس المغربية هي المعقل الروحي الأول للتيجانية عالمياً، حيث يقع ضريح المؤسس، ويمتلك المغرب (عبر إمارة المؤمنين) علاقات تاريخية وبنيوية شديدة المتانة مع خلفاء الطريقة في السنغال (آل نياس، آل تال، وغيرهم).
حاول الإعلام والخطاب الرسمي الجزائري توظيف الزيارة لإظهار أن الجزائر هي القبلة الحقيقية للتيجانيين. لكن النتيجة جاءت عكسية؛ حيث استغلت المنصات الإعلامية المنافسة الحادثة لإظهار “عدم قدرة الجزائر على استيعاب الخصوصيات الثقافية الإفريقية”، والترويج لـ “النموذج المغربي” الأكثر مرونة وتجذراً في التعامل مع هذه الملفات.
خلاصة القول، لقد أرادت وزارة الأوقاف الجزائرية تحويل الاستقبال الروحي إلى “استعراض سياسي” لخدمة أجندة داخلية وإقليمية، لكنها غفلت عن أن القادة الروحيين في إفريقيا ليسوا أدوات توجيه إعلامي يمكن إملاء الخطابات عليهم.
ورفض الشيخ للاعتذار يمثل تمسكاً باستقلالية القرار الديني الإفريقي عن التجاذبات السياسية في المغرب العربي، وهو ما سيجعل الجزائر مستقبلاً أكثر حذراً (وربما أكثر انكماشاً) في استخدام ورقة الطرق الصوفية.

