تُونِسُ وَالْمَغْرِبُ.. حِينَ تَطْعَنُ الْحِسَابَاتُ السِّيَاسِيَّةُ قَلْبَ الْأُخُوَّةِ التَّارِيخِيَّةِ: مِنْ أَحْدَاثِ قَفْصَةَ إِلَى الْمُسْتَشْفَى الْمَيْدَانِيِّ لِكُورُونَا.. هَلْ نَسِيَ النِّظَامُ التُّونِسِيُّ تَضْحِيَاتِ الْمَغْرِبِ؟
عبدالقادر كتـــرة
– روابط الدم والذاكرة المهدورة
في الوجدان المغاربي، لم تكن الحدود يوماً سوى خطوط وهمية رُسمت على الخرائط، بينما ظلت القلوب تنبض بإيقاع واحد. ولعل العلاقة بين المغرب وتونس شكلت دائماً الاستثناء الأجمل في المنطقة؛ قصة تُروى عن التآخي، والمساندة غير المشروطة، والوقوف جنباً إلى جنب في الملمات. لكن، كم هو مؤلم أن يستيقظ هذا الوجدان اليوم على جفاء سياسي غير مسبوق، جفاءٌ جعل المواطن المغاربي يتساءل بمرارة: كيف تهون عقود من التضحيات الصادقة على مذبح المصالح الطارئة؟ وكيف يتحول حضن الأخوة إلى منصة للخذلان؟
قفصة 1980: حين اختلط الدم بالدم التاريخ لا ينسى، والذاكرة لا تُمحى. في عام 1980، عندما امتدت يد التخريب إلى مدينة قفصة التونسية في محاولة لزعزعة استقرار “الخضراء”، لم ينتظر المغرب نداء استغاثة. كانت العلاقة الروحية التي جمعت الرئيس الحبيب بورقيبة بالملك الراحل الحسن الثاني -والتي بلغت من الحميمية حد مناداة بورقيبة للملك بـ”ابني”- كافية لتتحرك الآلة العسكرية المغربية.
لم يكتفِ المغرب ببيانات التنديد، بل هدرت محركات الطائرات العسكرية المغربية الضخمة في سماء تونس، وأعلن الملك الحسن الثاني أمام العالم أن الجيش المغربي رهن إشارة القيادة التونسية. كان لسان حال المغاربة حينها يقول: “أمن تونس من أمننا، وجرحها ينزف في أجسادنا”.
– 2014: مشية الثقة في شوارع الخوف
دارت الأيام، وعاشت تونس مخاضاً عسيراً بعد الثورة، تخللته ضربات إرهابية غادرة كادت أن تعصف باقتصادها وتشل قطاعها السياحي. في تلك اللحظات الحرجة، حيث كانت الدول تصدر تحذيرات السفر وتدير ظهرها لتونس، هبّ الملك محمد السادس في مايو 2014 بزيارة امتدت لعشرة أيام.
لم تكن زيارة بروتوكولية، بل كانت “عناقاً أمنياً ومعنوياً”. نزل الملك ليتجول في شوارع العاصمة تونس بشارع الحبيب بورقيبة، وتوقف للحديث مع المواطنين والتقاط الصور، في رسالة جابت العالم مفادها: “تونس آمنة، والمغرب يسند ظهر شقيقته”. كانت تلك الجولات بلسماً لجراح التونسيين، ودعماً مباشراً لأرزاقهم التي ارتبطت بالسياحة والاستقرار.
– 2021: أنفاس الأمل في زمن الوباء
وحين خيّم شبح الموت على العالم، واختنقت مستشفيات تونس تحت وطأة الموجة الشرسة لفيروس كورونا (كوفيد-19)، كانت استجابة الرباط سريعة وصامتة وخالية من أي منّ أو أذى. بتعليمات ملكية صارمة، انطلق جسر جوي مغربي نحو ولاية منوبة، ليُقام في أيام معدودة مستشفى ميداني مجهز بـ 100 سرير، منها 50 سريراً للإنعاش المتقدم.
لم يكن المغرب يرسل معدات طبية فحسب، بل كان يرسل “أنفاس حياة” لأشقائه، تخفيفاً لآهات المرضى، ومساندة لأطباء تونس الذين أنهكهم الوباء. كانت تلك المبادرة ترجمة فعلية لمعنى أن تكون مغاربياً أصيلاً.
– صدمة “تيكاد”.. جرح في قلب الأخوة
لكل هذه الروابط الروحية والتاريخية، كان وقع الصدمة عنيفاً في غشت 2022. ففي مقابل كل هذا الرصيد التضامني النقي، استيقظ المغاربة على مشهد استقبال الرئيس التونسي قيس سعيّد لزعيم جبهة البوليساريو الانفصالية، بأعلى مراتب البروتوكول الرئاسي، خلال قمة “تيكاد 8”.
كانت تلك الخطوة أكثر من مجرد خطأ دبلوماسي؛ كانت خذلاناً عاطفياً ومساً بأقدس قضايا المغاربة.
لقد اختار النظام التونسي الحالي، تحت وطأة أزماته الاقتصادية وارتهانه للمحور الجزائري، أن يتنكر لإرث بورقيبة في الحياد، وأن يدوس على مشاعر ملايين المغاربة الذين لم يروا في تونس يوماً سوى توأم الروح. لقد استُبدلت لغة الأخوة التاريخية بلغة الحسابات الضيقة، وبِيعت الروابط العميقة بثمن بخس من الوعود الاقتصادية الطارئة.
خاتمة: الشعوب باقية والأنظمة عابرة إن ما تعيشه العلاقات المغربية التونسية اليوم هو حالة من اليُتم الدبلوماسي والجفاء البارد. ورغم مرارة الخذلان، يظل يقين المواطن المغاربي والتونسي الحرّ أن غيوم السياسة، مهما تلبدت بالقرارات الخاطئة، لا يمكنها أن تطمس شمس التاريخ المشترك. ستسجل صفحات التاريخ أن المغرب لم يبخل يوماً بدمه وماله ومواقفه على تونس الشقيقة، وسيذكر أيضاً من طعن هذه الأخوة في مقتل إرضاءً لأجندات خارجية.
الأنظمة السياسية تأتي وترحل، والمصالح تتغير وتتبدل، لكن وشائج الدم واللغة والتاريخ المحفورة في قلوب الشعبين أكبر من أن تمحوها سقطة دبلوماسية، ولو كانت بحجم جرح عميق.

