الجزائر: صورة/فضيحة تتجاوز كونها مجرد “ملابس”، لتصبح مؤشراً على أزمة هوية وتاريخ وتراث والبحث عن هوية جاهزة وانتماء يتجاوز الحدود
عبدالقادر كتـــرة
للوهلة الأولى، قد يظن المرء أن الصورة تُظهر أشخاصًا من جنسيات مختلفة، نظرًا لأن ملابسهم التقليدية تعود إلى مناطق عربية: الإمارات، وتركيا، وبلاد الشام، والمملكة العربية السعودية، وسلطنة عُمان، واليمن. لكن في الحقيقة، هم جزائريون، وقد التُقطت الصورة أول أمس، بعد صلاة العيد في الجزائر، في مشهد يعكس افتقار الجزائر إلى التراث والهوية، لدرجة البحث عن هويات جاهزة.
هذا واحد من مئات التعليقات التي رافقت هذه الصورة الغريبة والعجيبة لمجموعة من الجزائريين يوم عيد الأضحى وهم يرتدون ملابس خليجية، كما لو كان كل منهم يمثل تراث بلد خليجي أو مشرقي في غياب لباس جزائري يوحدهم ويجسد تراثهم إن كان لهم تراث وتقاليد، ولكن يبدو أن هذه الصورة تجسد بكل وضوح وصراحة وصدق أزمة هوية مفقودة لجماعات وقبائل توالى على امتلاكها وإخضاعها وترويضها لقرون دول استعمارية من اسبانيا وتركيا العثمانية وفرنسا ولا زالت تقبع تحت حكم العسكر الحركى..
أثارت هذه الصورة، وما رافقها من من تعليقات، نقاشاً سوسيولوجياً وأنثروبولوجياً عميقاً حول “السيولة الثقافية” والهوية الوطنية في الجزائر، خاصة في ظل العولمة الرقمية وتأثير منصات التواصل الاجتماعي.
إن الظاهرة التي تشير إليها الصورة تتجاوز كونها مجرد “ملابس”، لتصبح مؤشراً على تحولات في الوعي الجمعي والبحث عن انتماء يتجاوز الحدود الوطنية نحو إطار “أكبر” أو “أكثر عمومية”.
من جهة، يعكس التوجه نحو ارتداء أزياء خليجية أو مشرقية بحثاً عن هوية “إسلامية-عربية” نمطية وموحدة، يُنظر إليها كأنها الأكثر “أصالة” في المخيال الشعبي، ربما نتيجة لتراجع الترويج للرموز الثقافية المحلية (مثل البرنوس، القندورة الجزائرية، أو الزي التقليدي الخاص بكل منطقة جزائرية) في الإعلام والخطاب العام.
من جهة ثانية، تفرض منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة المحتوى الترفيهي والدرامي القادم من المشرق والخليج، نموذجاً جمالياً وحياتياً يستهوي الشباب. هذا “التنميط” يجعل الفرد يشعر بأنه “ينتمي” لهذا النموذج الكوني/الإقليمي أكثر من انتمائه لخصوصية منطقته الجغرافية.
وقد يُفسر هذا الميل كنوع من “التمرد” غير الواعي على الموروث الذي قد يرتبط في ذهن الجيل الجديد بـ “الماضي” أو “الرسمية” أو “الفقر”، بينما يمثل الزي “المشرقي” الحداثة المرتبطة بالرخاء الاقتصادي أو “القداسة” الدينية.
إن غياب أو “خفوت” الموروث المحلي في الفضاء العام أمام أنماط مستوردة يحمل تداعيات استراتيجية على المدى البعيد:
– تآكل “الخصوصية الثقافية”: الخطر الأكبر ليس في ارتداء زي معين، بل في فقدان التنوع الثقافي الذي ميز الجزائر عبر تاريخها. عندما تصبح الهوية الجزائرية “نسخة” من هويات إقليمية أخرى، تضعف القوة الناعمة للبلاد وتفقد قدرتها على تصدير ثقافتها الخاصة للعالم.
– تفتت النسيج الاجتماعي: قد يؤدي هذا التوجه إلى خلق فجوات بين أجيال أو تيارات مجتمعية مختلفة؛ فبينما يتمسك البعض بالهوية المحلية “الأمازيغية-الأندلسية-الصحراوية”، يتبنى آخرون هوية “عابرة للقارات”، مما قد يضعف الشعور بالوحدة الوطنية القائم على الموروث المشترك.
– ضعف الحصانة الفكرية: إن البحث عن هوية “جاهزة” ومستوردة يجعل المجتمع أكثر عرضة للتأثر بالمدارس الفكرية والسياسية الوافدة، بدلاً من بناء نموذج تنموي وفكري نابع من واقع الجزائر وتحدياتها الخاصة.
خلاصة القول، الدولة التي لا تستطيع حماية “أصولها الرمزية” وتراثها غير المادي، تواجه تحدياً في تأكيد سيادتها الثقافية.
فالهوية ليست مجرد تراث، بل هي أداة سياسية للتمايز. إن تحويل الجزائر إلى “مستهلك ثقافي” بدلاً من “منتج ثقافي” يضعف من استقلاليتها في صياغة سرديتها الخاصة أمام القوى الإقليمية.
إن معالجة هذا الأمر لا تتم بـ “المنع” أو “الوصاية”، بل عبر استراتيجية وطنية لإحياء التراث وربطه بالحداثة، بحيث يشعر المواطن بأن ارتداء الزي المحلي هو فعل اعتزاز وعصرية، وليس مجرد تمسك بـ “الماضي”.

