السنغال: تعيين الخبير الاقتصادي والمالي البارز “أحمد الأمين لو” رئيساً لوزراء السنغال، يحمل مؤشرات إيجابية جداً لاستقرار الشراكة مع المغرب وتطويرها
عبدالقادر كتـــرة
اتخذ الرئيس السنغالي “باسيرو ديوماي فاي” خطوة مفاجئة بإقالة حليفه التاريخي وعرّابه السياسي “عثمان سونكو” من رئاسة الوزراء إثر خلافات حول إدارة الملفات الاقتصادية، ليعوضه بـ “أحمد الأمين لو”.
أمضى قرابة 4 عقود في البنك المركزي لدول غرب إفريقيا (BCEAO)، وتولى منصب المدير الوطني للبنك في السنغال (2018-2023) ثم أميناً عاماً له.
وسبق أن عُين وزيراً أميناً عاماً للحكومة في أبريل 2024، ثم ترقى لمنصب وزير دولة مكلف بقيادة وتوجيه خطة التحول الوطني الاستراتيجية “السنغال 2050”.
رئيس الوزراء الجديد معروف بكونه تكنوقراطياً صارماً يركز على الانضباط المالي، وإعادة هيكلة الديون، مع الحفاظ على استقرار العملة (الفرنك الإفريقي) والتعامل البراغماتي مع المؤسسات الدولية.
يأتي هذا الوضع الجديد في هرم السلطة خاصة وأن السنغال تمر بوضعية مالية صعبة، حيث وصلت الديون العامة للبلاد إلى مستويات قياسية تقارب 132% من الناتج المحلي الإجمالي وفقاً لتقارير صندوق النقد الدولي.
وجاء هذا التعيين بعد أشهر من التوترات المتصاعدة بين الرئيس “فاي” ورئيس وزرائه السابق “سونكو”، الذي كان يتبنى نبرة شعبوية حادة وتحفظات على شروط الاصلاح الهيكلي.
باختيار “أحمد الأمين لو”، أراد الرئيس إرسال إشارة طمأنة حاسمة للأسواق والمستثمرين الدوليين بأن السنغال تدار بعقلية برغمانية وعملية، ملتزمة باستقرارها المالي وبعيدة عن التجاذبات الحزبية الصاخبة.
لهذا التغيير تداعيات على السنغال والمغرب والمنطقة:
1. على المستوى الداخلي للسنغال:
– الانتقال من الخطاب السياسي إلى التكنوقراطية: سيتحول التركيز الحكومي فوراً إلى إجراءات تقشفية صارمة وترشيد الإنفاق العام؛ حيث أمهل “لو” وزراءه 15 يوماً فقط لتقديم خطط ملموسة لخفض النفقات وتوجيه الموارد.
– معادلة الحكم الجديدة: بعد إقالة سونكو، صوّت أعضاء الجمعية الوطنية لصالحه ليكون رئيساً للبرلمان. هذا يعني أن رئيس الوزراء الجديد سيواجه تحدي تمرير القوانين والإصلاحات المالية الصعبة عبر برلمان يقوده خصم سياسي شرس يتمتع بقاعدة شعبية شبابية عريضة.
2. على مستوى العلاقات مع المملكة المغربية:
بين دكار والرباط روابط تاريخية وروحيّة ودبلوماسية عميقة وعابرة للحكومات، وتعيين “أحمد الأمين لو” يحمل مؤشرات إيجابية جداً لاستقرار هذه الشراكة وتطويرها:
بخلاف التوجسات التي كانت تثيرها النبرة الشعبوية السابقة، يُبدي “لو” تقديراً كبيراً للنموذج الاقتصادي المغربي؛ حيث أشاد علناً بالتجربة المغربية في إشراك الجالية بالخارج كعنصر فاعل في التنمية الاقتصادية ودعا للاقتداء بأنظمتها.
وتزامناً مع هذا التحول السياسي، أصدر الملك محمد السادس عفواً ملكياً إنسانياً عن المشجعين السنغاليين المحكوم عليهم في المغرب، وهي خطوة استقبلها الرئيس السنغالي “فاي” في المطار بنفسه بامتنان شديد، مما يعكس الرغبة المشتركة بين القيادتين في الحفاظ على الدفء التاريخي للعلاقات الاستثنائية.
3. على مستوى المنطقة والمشاريع الإقليمية (مثل أنبوب الغاز):
من جهة، يمثل “لو” كخبير اقتصادي صمام أمان لاستمرار المشاريع الإقليمية الكبرى وعلى رأسها أنبوب الغاز النيجيري – المغربي الذي يمر عبر السنغال. بصفته مهندس رؤية “السنغال 2050″، يدرك أن اندماج السنغال في قطاع الطاقة الإقليمي هو أحد المفاتيح الأساسية للخروج من الأزمة الاقتصادية وتأمين موارد مستدامة.
من جهة ثانية، في ظل الاضطرابات السياسية والانقلابات التي تشهدها منطقة الساحل ومجموعة (الإيكواس)، يرسل تعيين شخصية مالية معتدلة على رأس حكومة السنغال رسالة ثقة للمجتمع الدولي بأن السنغال ستظل “دولة آمنة وموثوقة اقتصاديًا وعقدة ارتكاز استراتيجية” في المنطقة.

