الجزائر: نظام العسكر المتسلط يمنع الأستاذة الباحثة فاطمة أوصديق بسبب كتابها “الهويات المتمرّدة: إعادة التفكير في تاريخنا” ويغلق المكتبة التي كانت ستحتضن أنشطتها
عبدالقادر كتـــرة
في يوم السبت (18 أبريل 2026)، تدخلت قوات الشرطة الجزائرية لمنع جلسة تقديم وتوقيع كتاب الباحثة فاطمة أوصديق (77 عاماً)، وقامت بمصادرة النسخ التي كانت يحمل الكتاب عنوان “الهويات المتمرّدة: إعادة التفكير في تاريخنا”، وهو بالفعل ثمرة سنوات طويلة من الدراسات والأبحاث الميدانية حول سوسيولوجيا وتاريخ منطقة وادي مزاب الناطقة بالأمازيغية في جنوب الجزائر.
وكان من المقرر إقامة الحدث الثقافي في مكتبة الفنون الجميلة بوسط العاصمة الجزائرية. وعقب التدخل، صدر قرار بغلق هذه المكتبة العريقة لمدة شهر كامل.
أصدرت دار النشر “كوكو” (Koukou) بياناً شديد اللهجة على لسان مديرها أرزقي آيت العربي، ندد فيه بالقرار واصفاً إياه بـ “غير المفهوم وغير القانوني”. واستندت دار النشر في اعتراضها إلى المادة 54 من الدستور الجزائري، والتي تنص بوضوح على أنه لا يمكن توقيف أو حظر نشاط النشر إلا بموجب قرار قضائي صريح.
تُعد الأستاذة فاطمة أوصديق واحدة من أبرز القامات الأكاديمية في علم الاجتماع بالجزائر، وترتبط أبحاثها بشكل وثيق بقضايا الهوية والتحولات الاجتماعية.
“أوصديق” عالمة اجتماع وباحثة جزائرية مرموقة، عُرفت بمسارها الأكاديمي الطويل والتزامها بقضايا المجتمع والذاكرة.
ولها من المؤهلات الأكاديمية العالية حيث إنها أستاذة في علم الاجتماع بجامعة الجزائر 2، وحاصلة على دكتوراه من مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS) في باريس.
وتعمل باحثة في مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية (CREAD). تتركز معظم دراساتها حول “سوسيولوجيا الحضر”، دراسة المدينة الجزائرية وتطوراتها (لها كتاب شهير بعنوان “الجزائر: الحضر”).
“قضايا المرأة والنوع الاجتماعي” إذ تُعتبر من المراجع في دراسة وضعية المرأة في المجتمع الجزائري والمغاربي.
كما تهتم بكيفية تشكل الهويات الجماعية، وهو المحور الأساسي لكتابها الأخير “الهويات المتمرّدة” الذي يتناول منطقة وادي مزاب من زاوية سوسيولوجية وتاريخية معمقة.
فاطمة أوصديق تحظى بتقدير كبير في الأوساط الأكاديمية الدولية، وتتميز أبحاثها بالرصانة العلمية والاعتماد على العمل الميداني المباشر.
بعد حادثة المنع التي تعرضت لها الأستاذة فاطمة أوصديق في مكتبة الفنون الجميلة، أصدرت دار “كوكو” (Koukou) بياناً استنكارياً وقعه مديرها أرزقي آيت العربي، تضمن النقاط الرئيسية التالية:
اعتبر البيان أن منع جلسة التوقيع هو اعتداء صارخ على حرية التعبير والإبداع، ووصف التدخل الأمني بأنه “حلول للأمن محل القضاء”.
وركز البيان على الجانب القانوني، مشيراً إلى أن المادة 54 من الدستور الجزائري تمنع صراحة وقف نشاط النشر أو الحظر الإداري على الكتب والفعاليات الثقافية إلا بموجب حكم قضائي، وهو ما لم يحدث في هذه الحالة.
واستنكر البيان قرار غلق “مكتبة الفنون الجميلة” (Librairie des Beaux-Arts)، معتبراً إياها “فضاءً للتنوير” لا يجوز معاقبته بسبب احتضان نشاط فكري لباحثة معروفة برصانتها.
وأكد البيان أن كتاب “الهويات المتمرّدة” هو عمل علمي أكاديمي خضع لسنوات من البحث، وأن محاولة “خنق” النقاش حوله تضر بالبحث العلمي وبالذاكرة الوطنية.
واختتم الببان بالإعلان عن تضامن الدار الكامل مع المؤلفة وصاحب المكتبة، ودعا المثقفين والجامعيين إلى التمسك بحقهم في النقاش الحر بعيداً عن الوصاية الإدارية.
يمثل هذا الموقف جزءاً من الجدل المستمر حول استقلالية الحقل الثقافي والأكاديمي في المنطقة، وهو موضوع يتقاطع بشكل كبير مع اهتماماتك في مجالات القانون والسياسة والبحث العلمي.
في حوار مع قناة تستهل حديثها بالتعريف عن نفسها كجزائرية نشأت في ظل شعب يناضل من أجل حريته، وكعالمة اجتماع تدرس وتراقب المجتمع الجزائري منذ أكثر من 40 عاماً. هذا الارتباط الوثيق بالمجتمع وعملها الأكاديمي هما ما دفعاها بقوة للنضال من أجل حقوق النساء.
وتوضح أوصديق أن نضال ومطالب النساء الجزائريات لم تبدأ في التسعينيات، بل إن أول مؤسسة أو حركة نسوية جزائرية تأسست عام 1947 إبان فترة الاستعمار. لكن بعد الاستقلال، تم احتواء هذه الحركات ضمن نظام الحزب الواحد عبر جمعيات تابعة للنظام لم تكن تدافع حقيقة عن حقوق النساء.
رغم مشاركة النساء الفعالة في حرب التحرير، إلا أنهن لم ينلن حقوقهن المرجوة بعد الاستقلال. وفي عام 1976، بدأت النساء في التجمع والنقاش ومواجهة بعض القرارات التعسفية (مثل منعهن من الخروج) ومناهضة ما جاء به “قانون الأسرة” الذي قيد من حرياتهن.
مع صدور دستور 1989، سُمح بتأسيس جمعيات مجتمعية ونسوية مستقلة. لكن سرعان ما اصطدمت النساء بصعود التيارات الإسلامية وتصاعد العنف ضدهن، مما جعل النضال النسوي يتحول إلى عقد سياسي واجتماعي لحماية المجتمع ككل من فكر يسعى لإلغاء حقوق المرأة.
تشير إلى وجود تناقض كبير بين نظام لا يتغير ومجتمع يشهد تحولات جذرية. فالمرأة الجزائرية اليوم تدرس، وتعمل، وارتفع متوسط سن الزواج لديها إلى 30 سنة (بعد أن كان 19 سنة). هذا التغير منحها الوقت لتكوين هويتها واستقلاليتها وإثبات نفسها في مجالات مختلفة مثل القانون والجامعة والأدب، وهو ما يمثل نقلة نوعية مقارنة بأجيال الأمهات والجدات.
رغم التطور الملحوظ وتحقيق الاستقلال المادي للكثيرات، إلا أن هناك فئة من النساء لا زلن بلا استقلالية ويعانين من العنف الممنهج (سواء العنف القانوني، أو السياسي، أو الأسري).
وتختم بالإشارة إلى أن الدولة لم تواكب هذه التغيرات الأنثروبولوجية والاجتماعية العميقة التي مست هوية الرجل والمرأة على حد سواء، مما يؤكد على الحاجة الملحة لاستمرار النضال ووجود مناضلات حقيقيات.

