البلوزة الوجدية تعكس مجتمعاً يعتز بأصالته ووقاره وتاريخه، بينما البلوزة الوهرانية الأقرب إلى الفستان الغربي، تعكس مساراً تاريخياً طالته رياح التأثير الأوروبي الكولونيالي

البلوزة الوجدية تعكس مجتمعاً يعتز بأصالته ووقاره وتاريخه، بينما البلوزة الوهرانية الأقرب إلى الفستان الغربي، تعكس مساراً تاريخياً طالته رياح التأثير الأوروبي الكولونيالي

عبدالقادر كتــرة

فرق كبير بين البلوزة الوجدية المغربية والبلوزة الوهرانية الجزائرية: هناك فرق بارز يتعلق بالحشمة، حيث البلوزة الوجدية تغطي الرقبة والكتفين والصدر فيما تكشف البلوزة الوهرانية الكتفين والرقبة والصدر والكتفين، وهو ما يخالف لدى المغاربة الحشمة والوقار وتعاليم الإسلام في الوقت الذي تشبه البلوزة الوهرانية الفستان الأوروبي الذي يمتاز بإظهار الكتفين والصدر وهو ما يعني تقليد موروث من الاستعمار الفرنسي وأوروبا..

من منظور سوسيولوجي وتاريخي، لا يُعد اللباس مجرد قطعة قماش، بل هو وثيقة بصرية تعكس قيم المجتمع، تاريخه، وتفاعله مع المؤثرات الخارجية.

التصميم للبلوزة تفتح باباً مهماً لتحليل التمايز العميق بين “البلوزة الوجدية” و”البلوزة الوهرانية”، فرغم الجوار الجغرافي والتشابه في التسمية، إلا أن مسار تطورهما يعكس هويتين ثقافيتين واجتماعيتين مختلفتين.

إليك تحليلاً مفصلاً وقراءة في تداعيات هذا الاختلاف:

صممت البلوزة الوجدية المغربية لتتوافق مع المعايير الأخلاقية والجمالية للمجتمع المغربي المحافظ.

يتميز تصميم “الصدر” (الجزء العلوي المطرز) بارتفاعه ليغطي منطقة الصدر بالكامل، مع أكمام تغطي الكتفين وصولاً إلى المرفقين أو أطول. الجمالية هنا تعتمد على فخامة القماش (كالحرير أو المليفة) ودقة التطريز بخيوط الذهب أو الفضة (الصقلي)، مع التركيز على إبراز الأناقة في إطار من “الوقار” والالتزام بالتعاليم الإسلامية.

فيما تأخذ البلوزة الوهرانية (الجزائرية) طابعاً أقرب إلى فساتين السهرة الغربية. تعتمد قصة الصدر المفتوح (Décolleté) التي تكشف مساحة واسعة من الرقبة والصدر، مع أكمام قصيرة جداً أو مكشوفة الكتفين تماماً. التركيز الجمالي ينصب على الترصيع الكثيف والبارز بـ “العقيق” (الخرز والسمسم) واللمعان المفرط.

كان للفستان الأوروبي تأثير استعماري يفسر هذا التباين:

– أثر الكولونيالية في وهران: مدينة وهران كانت تعتبر عاصمة الغرب الجزائري وواحدة من أكبر حواضر الاستيطان الفرنسي والإسباني.

هذا التواجد الكثيف للمستوطنين وتوجه الإدارة الاستعمارية نحو “فرنسة” الحياة العامة أدى إلى تداخل كبير في الأزياء.

تأثرت الخياطات المحليّات بقصات “الفساتين” الفرنسية (التي كانت تبرز الصدر والكتفين في الحفلات المخملية)، وتم إسقاط هذه القصات الدخيلة على اللباس التقليدي، مما جرده من طابعه المحافظ بمرور الوقت.

– المقاومة الثقافية في وجدة: في المقابل، ورغم خضوع المغرب للحماية، ظلت البنية الاجتماعية في الشرق المغربي متماسكة ومحافظة. اللباس كان يُعتبر خط دفاع عن الهوية.

احتفظت المرأة الوجدية بالبلوزة كطراز محلي أصيل، وطورتها بأسلوب يرفض الاستلاب الثقافي الأوروبي، مفضلةً الحفاظ على مقاييس “الحشمة” التي تعكس رفعة المرأة وقيم أسرتها.

هذا الاختلاف البنيوي له تداعيات هامة في سياق الجغرافيا السياسية الثقافية المعاصرة:

– تثبيت الاستقلالية التراثية: إبراز هذه الفروق (خاصة قصة الصدر والكتفين) يعتبر حجة قوية لفك الارتباط الوهمي الذي يحاول البعض الترويج له بأن البلوزتين هما شيء واحد. البلوزة الوجدية هي ابنة بيئتها المغربية الخالصة، وتطورها تم داخل النسق الثقافي المغربي المستقل.

هناك محاولات مستمرة لتعميم النمط “الوهراني” المكشوف كمعيار أصلي لهذا اللباس في المحافل الدولية، وهو ما يطمس الهوية الحقيقية للبلوزة الوجدية المحافظة. هذا يستدعي تحركاً مضاداً لتوثيق البلوزة الوجدية بخصائصها الفنية والأخلاقية (الحشمة) كعنصر تراثي مغربي لامادي قائم بذاته.

الخلاصة هي أن اللباس يعكس “العقيدة الاجتماعية” لمرتديه؛ فالبلوزة الوجدية تعكس مجتمعاً يعتز بأصالته ووقاره، بينما تعكس الأخرى مساراً تاريخياً طالته رياح التأثير الأوروبي الكولونيالي بشكل غير من ملامحه الأصلية.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *