دِبْلُومَاسِيَّةُ الْمُلُوكِ وَخِطَابُ الثَّكَنَاتِ: خَمْسُ سَنَوَاتٍ مِن رَسَائِلِ الْيَدِ الْمَمْدُودَةِ وَالْقَطِيعَةِ الْمُفْتَعَلَةِ… بَيْنَ حِكْمَةِ الدَّوْلَةِ الْعَرِيقَةِ وَتَصْعِيدِ النِّظَامِ الْعَسْكَرِيِّ
عبدالقادر كتـــرة
في عالم السياسة والعلاقات الدولية، لا تُقاس عراقة الدول بمساحاتها الجغرافية أو شعاراتها الرنانة، بل بقدرتها على ضبط النفس، وإعلاء صوت الحكمة، وصياغة خطاب سياسي يرقى إلى تطلعات الشعوب ويحترم مواثيق الجوار والتاريخ. وتتجلى هذه القاعدة بوضوح تام عند وضع الخطاب الرسمي للمملكة المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، في كفة المقارنة مع السلوك السياسي والإعلامي الذي ينتهجه النظام العسكري الحاكم في الجزائر خلال السنوات الخمس الأخيرة.
مملكة عريقة ومنهج ثابت: اليد الممدودة كعقيدة دولة
منذ عام 2021 وإلى غاية أواخر عام 2025، دأب الملك محمد السادس في أسمى المناسبات الوطنية، وعلى رأسها خطب العرش، على توجيه رسائل واضحة، صريحة، ومفعمة بروح المسؤولية التاريخية تجاه الجار الشرقي.
لم تكن هذه الرسائل مجرد مجاملات دبلوماسية عابرة، بل عكست عقيدة دولة ضاربة جذورها في التاريخ، تدرك معنى الجوار وقدسية الروابط الإنسانية والدينية التي تجمع الشعبين المغربي والجزائري.
في خطاب العرش ليوم 31 يوليوز 2021، وضع العاهل المغربي النقاط على الحروف بمنطق الحكمة، مؤكداً أنه لا يوجد أي مبرر منطقي لاستمرار إغلاق الحدود، ومطلقاً عبارته الشهيرة بأن المغرب والجزائر “أكثر من دولتين جارتين، إنهما توأمان متكاملان”، مع التشديد القاطع على أن الشر أو الخطر لن يأتي الجزائر من المغرب أبداً.
واستمر هذا النهج الملكي الراقي بلا تراجع؛ ففي يوليوز 2022، أكد الملك أن الحدود لن تكون أبداً سداً يغلق أجواء التواصل والتفاهم بين الشعبين الشقيقين، معرباً عن التطلع للعمل مع الرئاسة الجزائرية لوضع اليد في اليد. وفي يوليوز 2023، جُددت الدعوة لعودة الأمور إلى طبيعتها وفتح الحدود، مع طمأنة القيادة والشعب الجزائريين بأن المملكة لن تكون أبداً مصدر أي سوء.
وحتى في عام 2025، وتحديداً في خطاب العرش ليوم 29 يوليوز، ثم الخطاب الملكي في 31 أكتوبر، ارتقى الخطاب الملكي إلى قمة السمو الأخلاقي والسياسي، حيث أكد الالتزام بالانفتاح على الجوار المباشر، ووجه دعوة مباشرة وصريحة للرئيس عبد المجيد تبون من أجل “حوار أخوي صادق” لتجاوز الخلافات وبناء علاقات جديدة تقوم على الثقة وحسن الجوار.
في الضفة الأخرى: نظام عسكري يقتات على التصعيد والعداء
في مقابل هذا الرقي المولوي وهذا الثبات المغربي على مبدأ حسن الجوار، يقف المتابعون والمحللون مشدوهين أمام ردود الفعل الصادرة عن النظام العسكري الجزائري.
فبدلاً من التقاط هذه الإشارات الإيجابية وتغليب المصلحة العليا للمنطقة المغاربية وشعوبها، اختار النظام الحاكم في الجزائر الهروب إلى الأمام عبر سياسة الأرض المحروقة دبلوماسياً وإعلامياً.
لقد قابلت المؤسسة الحاكمة في الجزائر “اليد الممدودة” بقطع العلاقات الدبلوماسية من جانب واحد، وإغلاق المجال الجوي، وتجنيد الآلة الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية لشن حملات عدائية يومية ضد المملكة المغربية ورموزها ومقدساتها.
إن المتأمل في لغة الخطاب الصادر عن أجنحة الحكم في الجزائر يلاحظ طغيان لغة التخوين، وتوجيه الاتهامات الجزافية، وصناعة “العدو الخارجي” لتبرير الإخفاقات الداخلية التنموية والسياسية.
هو خطاب يفتقر إلى الحد الأدنى من اللياقة الدبلوماسية وأعراف التخاطب بين الدول، وينحدر في كثير من الأحيان إلى مستويات من الرداءة اللفظية والافتراء السياسي، في تناقض صارخ مع القيم الإسلامية، والمواثيق الدولية، ووشائج القربى والدم التي تربط العائلات المغربية والجزائرية على طرفي الحدود.
الفرق بين منطق الدولة ومنطق الثكنة
إن هذه المقارنة المكشوفة أمام الرأي العام الدولي والإقليمي تعري حقيقة ساطعة؛ فنحن لسنا أمام خلاف سياسي عادي بين دولتين، بل أمام تصادم بين مدرستين وعقليتين:
1- مدرسة الدولة الأمة (المغرب): التي تستند إلى إرث سلطاني وملكي عريق يمتد لقرون، يزن الكلمة بميزان الذهب، ويفصل بين الخلافات السياسية العابرة وبين الثوابت التاريخية وأخوة الشعوب، ويتحدث بلغة البناء، التكامل الاقتصادي، والأمن المشترك.
2- مدرسة النظام العسكري: التي تأسست عقيدتها على التوتر والحرب الباردة، ولا تستطيع البقاء إلا في ظل الأزمات المفتعلة، وتتعامل مع الجوار بمنطق التوجس والمؤامرة، وتستبدل الحجة الدبلوماسية بالانفعال والشتائم والتصعيد غير المحسوب.
ختاماً، سيسجل التاريخ بمداد من الفخر أن المملكة المغربية، بقيادة الملك محمد السادس، قد أقامت الحجة الأخلاقية والسياسية كاملة أمام الله، وأمام الشعوب، وأمام المجتمع الدولي. لقد برهن المغرب قولاً وفعلاً أنه حصن للحكمة والرصانة في شمال إفريقيا، وأن ترفعه عن الانجرار وراء خطابات الإسفاف والعداء ليس ضعفاً، بل هو قمة القوة والثقة بالنفس التي لا يملكها إلا الكبار وأصحاب الجذور الراسخة في التاريخ.

