بَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ الِانْتِشَارِ الْعَسْكَرِيِّ الْجَزَائِرِيِّ فِي شَمَالِ النَّيْجَرِ.. نِيَامِي تَخْلِطُ الْأَوْرَاقَ مِنْ بَنْغَازِي وَتَكْسِرُ طَوْقَ “مَادَامَا”: زِيَارَةُ عَلِي الْأَمِين زِين إِلَى بَنْغَازِي تُجْهِضُ مُنَاوَرَةَ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ

بَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ الِانْتِشَارِ الْعَسْكَرِيِّ الْجَزَائِرِيِّ فِي شَمَالِ النَّيْجَرِ.. نِيَامِي تَخْلِطُ الْأَوْرَاقَ مِنْ بَنْغَازِي وَتَكْسِرُ طَوْقَ “مَادَامَا”: زِيَارَةُ عَلِي الْأَمِين زِين إِلَى بَنْغَازِي تُجْهِضُ مُنَاوَرَةَ النِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ

عبدالقادر كتـــرة

جاء في تدوينة الفريق صدام حفتر: “استقبلت اليوم في مدينة بنغازي دولة رئيس وزراء جمهورية النيجر الشقيقة، السيد علي الأمين زين، والوفد رفيع المستوى المرافق له، بحضور رئيس الوزراء الدكتور أسامة حماد.

ونقلت خلال اللقاء تحيات وتقدير القائد العام للقوات المسلحة، المشير أركان حرب خليفة أبوالقاسم حفتر، إلى رئيس جمهورية النيجر، الجنرال عبد الرحمن تياني، وتمنياته لشعب النيجر الشقيق بدوام الأمن والاستقرار والازدهار.

تجمع ليبيا والنيجر علاقات تاريخية وروابط أخوية ومصالح استراتيجية مشتركة، وتكتسب هذه العلاقات اليوم أهمية متزايدة في ظل التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها منطقة الساحل والصحراء، وما تفرضه من تحديات ومسؤوليات مشتركة تستدعي تعزيز التعاون والتنسيق بين دول المنطقة.

ونؤكد أن أمن ليبيا واستقرارها يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بأمن جوارها الأفريقي واستقراره، وأن مواجهة التهديدات العابرة للحدود، وفي مقدمتها الإرهاب والجريمة المنظمة وشبكات التهريب، تتطلب تعاوناً إقليمياً فاعلاً، يقوم على احترام سيادة الدول واستقلال قرارها الوطني، وتغليب المصالح المشتركة، بعيداً عن الاستقطاب وتنافس النفوذ.

وشهد اللقاء توقيع بروتوكول اتفاق للتعاون الاستراتيجي بين ليبيا وجمهورية النيجر، ونتطلع إلى أن يشكل خطوة مهمة نحو مرحلة أكثر تقدماً في علاقات البلدين، من خلال متابعة تنفيذه وترجمة التفاهمات المشتركة إلى برامج وخطوات عملية تحقق نتائج ملموسة.

وستواصل ليبيا تعزيز علاقاتها مع أشقائها وجيرانها، والمساهمة بفاعلية في الجهود الرامية إلى ترسيخ الأمن والاستقرار، ودعم الشراكات الإقليمية بما يحفظ مصالح الدول وسيادتها، ويخدم تطلعات شعوبها نحو التنمية والازدهار.”

عالم الجغرافيا السياسية، نادراً ما تكون الزيارات الرسمية في الأقاليم المتوترة مجرد مجاملات بروتوكولية، بل هي في جوهرها تحركات على رقعة شطرنج معقدة.

هذا ما ينطبق تماماً على الزيارة اللافتة التي قام بها رئيس وزراء جمهورية النيجر، علي الأمين زين، على رأس وفد حكومي وعسكري رفيع المستوى إلى مدينة بنغازي، ولقائه برئيس الحكومة أسامة حماد والقيادات العسكرية البارزة وفي مقدمتها الفريق صدام حفتر، والتي تُوّجت بتوقيع “بروتوكول اتفاق للتعاون الاستراتيجي” بين الجانبين.

تكتسب هذه الزيارة أهميتها القصوى لا من مضمونها فحسب، بل من توقيتها الجراحي؛ إذ جاءت بعد أيام معدودة من خطوة غير مسبوقة اتخذها النظام العسكري الجزائري أواخر أكتوبر المنصرم، تمثلت في مصادقة البرلمان الجزائري بغرفتيه بالإجماع (ودون نقاش) على قرار إرسال وحدات قتالية وجوية من الجيش الجزائري إلى شمال النيجر، وتحديداً نحو منطقة قاعدة “ماداما” الاستراتيجية التي لا تبعد سوى مئة كيلومتر عن الحدود الجنوبية لإقليم فزان الليبي.

فك شفرة التوقيت: من أراد تطويق من؟

حين أعلن النظام الجزائري عن نشر قواته داخل التراب النيجري في أول تدخل خارجي معلن له منذ عقود، تحت ذريعة “حماية استثمارات سوناطراك ومشاريع الطاقة”، قرأت دوائر القرار في شرق ليبيا وجنوبها هذه الخطوة باعتبارها محاولة التفاف جيوسياسي. فالتمركز الجزائري في شمال النيجر، مقترناً بالتنسيق الوثيق بين الجزائر وحكومة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (التي كانت تسعى لتشكيل “قوة حماية الجنوب”)، بدا وكأنه تأسيس لـ”كماشة” تطوق إقليم فزان وحقوله النفطية من الغرب والجنوب، وتضع الخاصرة الجنوبية لقوات المشير خليفة حفتر (مناطق الويغ، القطرون، ومرزق) تحت ضغط عسكري مباشر.

إلا أن هبوط طائرة رئيس وزراء النيجر في بنغازي بعد أقل من أسبوع على القرار الجزائري، قلب المعادلة رأساً على عقب.

لقد بعث المجلس العسكري الحاكم في نيامي، بقيادة الجنرال عبد الرحمن تياني، برسالة طمأنة عملية ومباشرة إلى القيادة العامة في بنغازي مفادها أن: “استقبال وحدات جزائرية لتأمين آبار النفط في كفرا لا يعني مطلقاً الارتهان لأجندة الجزائر الإقليمية، ولا يعني الانخراط في أي محور يستهدف أمن الجنوب الليبي أو يغير موازين القوى فيه”.

لغة صدام حفتر: رسائل مشفرة إلى الجزائر وطرابلس

في هذا السياق، لم تكن الكلمات التي صاغها صدام حفتر في تدوينته عقب اللقاء مجرد ديباجة دبلوماسية، بل جاءت محملة برسائل سياسية شديدة الوضوح.

فالتأكيد على أن التعاون الإقليمي يجب أن يقوم على “احترام سيادة الدول واستقلال قرارها الوطني، وتغليب المصالح المشتركة، بعيداً عن الاستقطاب وتنافس النفوذ”، هو توصيف دقيق لرفض الوصاية التي يحاول النظام الجزائري فرضها على دول الساحل، وردّ مباشر على محاولات حكومة طرابلس احتكار التمثيل الدبلوماسي والأمني لليبيا مع جيرانها الجنوبيين.

إن توقيع بروتوكول التعاون الاستراتيجي في بنغازي يكرس حقيقة ميدانية لا يمكن للجزائر أو طرابلس القفز فوقها: وهي أن من يمسك فعلياً بزمام الأرض والحدود في الجنوب الليبي الممتد لأكثر من ألف كيلومتر مع النيجر وتشاد، هي القوات المسلحة المتمركزة في الشرق والجنوب.

وبالتالي، فإن نيامي – المحاصرة بتحديات أمنية واقتصادية خانقة – تدرك ببراغماتية عالية أن أمن حدودها الشمالية، وشريان حياتها التجاري والتمويني القادم عبر فزان، وتحييد حركات التمرد النيجرية، يمر حتماً عبر التفاهم مع بنغازي لا عبر البيانات السياسية الصادرة من العاصمة الجزائرية.

الظل الروسي وضبط الإيقاع في الساحل

لا يمكن قراءة هذا المشهد دون استحضار العامل الروسي؛ فموسكو التي تمد مظلتها الأمنية عبر “الفيلق الأفريقي” (Africa Corps) في النيجر ومالي، تعتمد بشكل حيوي على القواعد الجوية في الجنوب والوسط الليبي (مثل الجفرة وبراك الشاطئ) كجسر لوجستي لإمداد قواتها في العمق الأفريقي.

ومن هذا المنطلق، فإن الدفع الروسي لترتيب الأوراق في شمال النيجر لا يهدف إلى تمكين الجزائر من محاصرة حفتر كما روّجت الأبواق الإعلامية الجزائرية، بل تفرض موسكو معادلة “الفصل الوظيفي”: فالجزائر تتولى حماية استثماراتها الطاقوية في قطاع محدد، بينما تظل السيطرة الحدودية والأمنية العابرة للصحراء خاضعة لتفاهمات الحلفاء المباشرين في بنغازي ونيامي، لمنع أي صدام قد يربك خطوط الإمداد الروسية.

النظام الجزائري أمام “صفعة بنغازي”: سيناريوهات الرد

لا شك أن مشهد استقبال علي الأمين زين في بنغازي وتوقيعه اتفاقاً استراتيجياً مع معسكر حفتر قد نزل كقطعة ثلج باردة على صناع القرار في قصر المرادية ومقر أركان الجيش الجزائري؛ إذ أفرغ الدعاية التي صاحبت قرار إرسال القوات إلى النيجر من محتواها الاستعراضي، وأثبت أن نيامي تتبنى سياسة “تعدد الشركاء” وتلعب بذكاء على تناقضات الجيران لتحقيق مصالحها الخاصة.

وأمام هذا الإحراج الاستراتيجي، يُتوقع أن يتحرك النظام العسكري الجزائري عبر ثلاثة مسارات ارتدادية:

1- الابتزاز الاقتصادي والضغط الصامت على نيامي: لن تغامر الجزائر بقطع الحبل السري مع النيجر حتى لا تكرر سيناريو القطيعة الكارثية مع مالي، لكنها ستلوّح بورقة التمويل ومشاريع “سوناطراك” للضغط على الجنرال تياني من أجل تجميد أو تقليص البنود العسكرية في بروتوكول بنغازي، واشتراط عدم اقتراب قوات حفتر من مناطق تمركز الوحدات الجزائرية في شمال النيجر.

2- التصعيد الإعلامي وشيطنة التحالفات الإقليمية: بدأت ملامح هذا المسار فوراً عبر المنابر الإعلامية الجزائرية الرسمية وشبه الرسمية التي سارعت لوصف لقاء بنغازي بأنه تعامل مع “سلطة موازية”، مع استدعاء نظرية المؤامرة المعهودة حول “الأطراف الخارجية والمرتزقة” لتبرير أي فشل دبلوماسي جزائري في تطويع دول الساحل.

3- تحريك ورقة الغرب الليبي واستعراض القوة الحدودية: ستسعى الجزائر إلى تعويض هذه النكسة عبر تكثيف دعمها اللوجستي والمخابراتي لحكومة الدبيبة والكتائب المسلحة في غرب ليبيا، ومحاولة تحريك خلايا التوتر داخل إقليم فزان لإشغال قوات صدام حفتر داخلياً، بالتوازي مع تنفيذ مناورات عسكرية استعراضية في الناحيتين العسكريتين الرابعة (إليزي) والسادسة (تمنراست) لرسم خطوط حمراء وهمية في رمال الصحراء المتحركة.

لقد أثبتت محطة بنغازي أن الجغرافيا السياسية لمنطقة الساحل والصحراء لم تعد تقبل منطق “الحديقة الخلفية” أو الوصاية الأحادية؛ فالدول باتت تتحرك وفق بوصلة مصالحها الأمنية والاقتصادية المباشرة، ومن يملك مفاتيح الاستقرار الفعلي على الأرض هو من يفرض كلمته في معادلات الحدود، مهما علت أصوات الاستعراض العسكري عبر الحدود.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *