الْجَيْشُ الْجَزَائِرِيُّ بِالنِّيجَرِ مَحْرَقَةُ السَّاحِلِ: “قَاعِدَةُ “مَادَامَا” الْعَسْكَرِيَّةُ”… مُغَامَرَةٌ عَسْكَرِيَّةٌ مَكْشُوفَةٌ أَمْ انْتِحَارٌ تَكْتِيكِيٌّ لِلْجَيْشِ الْجَزَائِرِيِّ فِي رِمَالِ السَّاحِلِ؟

الْجَيْشُ الْجَزَائِرِيُّ بِالنِّيجَرِ مَحْرَقَةُ السَّاحِلِ: “قَاعِدَةُ “مَادَامَا” الْعَسْكَرِيَّةُ”… مُغَامَرَةٌ عَسْكَرِيَّةٌ مَكْشُوفَةٌ أَمْ انْتِحَارٌ تَكْتِيكِيٌّ لِلْجَيْشِ الْجَزَائِرِيِّ فِي رِمَالِ السَّاحِلِ؟

عبدالقادر كتـــرة

في سابقة تاريخية وخطيرة تنسف عقيدة “عدم التدخل خارج الحدود” التي تبناها الجيش الجزائري منذ استقلال البلاد عام 1962، يشهد المشهد العسكري الإقليمي تطوراً دراماتيكياً يتمثل في سعي الجزائر لتثبيت موطئ قدم عسكري دائم في قلب الصحراء الإفريقية.

فبعد التفاهمات المشتركة التي جمعت رئيس أركان الجيش الجزائري ووزير الدفاع النيجري، وما تبعها من مصادقة برلمانية على نشر قوات دائمة، وُضعت قاعدة “ماداما” العسكرية الاستراتيجية – القريبة من الحدود الليبية – تحت تصرف القوات الجزائرية.

هذا التحول التكتيكي الخطير، وإن جرى تسويقه تحت يافطة “حماية المشاريع الطاقوية ومحاربة الإرهاب”، يمثل في جوهره مقامرة عسكرية عارية عن الحماية الاستراتيجية، وزجاً بالجيش الوطني الشعبي في محرقة الساحل المفتوحة.

1. وهْم السيطرة الميدانية: من الدفاع الخطي إلى التشتت التكتيكي

عسكرياً، تُعرّف العمليات في عمق الصحراء الكبرى بأنها من أتعس وأعقد التحديات التي تواجه الجيوش النظامية.

فالجيش الجزائري، الذي يعاني أصلاً من تحديات ميدانية في ضبط مساحات شاسعة داخل حدوده الجنوبية (كما هو الحال في قطاعات برج باجي مختار وتمنراست)، يقرر اليوم مد خطوطه اللوجستية إلى عمق أزيد من ألفي كيلومتر جنوباً. إن إنشاء قاعدة في “ماداما” يعني خلق “نقطة ارتكاز ضعيفة” في بيئة قاسية ومعادية، محاطة بطرق إمداد ممتدة ومهددة باستمرار عسكرياً، كلما طالت خطوط الإمداد، كلما زادت ثغرات الدفاع، وأصبحت القوات المرابطة هناك أهدافاً سهلة لكمائن حرب العصابات والسيارات المفخخة التي تبدع فيها التنظيمات الإرهابية المتحركة في الصحراء.

2. غياب العمق التكتيكي والغطاء الجوي الفعّال

التجربة العسكرية الحديثة تؤكد أن أي قاعدة متقدمة تتطلب غطاءً جوياً كثيفاً، استطلاعاً إلكترونياً مستمراً، وقدرات إخلاء طبي وسريع في حالات الطوارئ.

– فالتجربة السابقة التي قامت بها الجزائر بإرسال طائرات مطاردة من نوع (Su-30) وطائرات إمداد إلى نيامي ثم سحبها سريعاً، تكشف بوضوح عن تردد وضعف في البنية اللوجستية والجوية المستدامة بعيداً عن القواعد الخلفية داخل الأراضي الجزائرية.

– الاعتماد على طائرات مقاتلة لتأمين قاعدة بعيدة في بيئة صحراوية قاسية يكلف ميزانية الصيانة العسكرية أرقاماً فلكية، ويعرض الطواقم البشرية لمخاطر استنزاف تقني وبدني هائل في أجواء مناخية صعبة ومعادية.

3. التورط في “مثلث الموت” (داعش، فاغنر، والفوضى الليبية)

من الناحية الميدانية، لا تقع قاعدة “ماداما” في فراغ، بل هي جزء من مسرح عمليات مشتعل ومعقد للغاية:

– التنظيمات المتطرفة: منطقة الساحل تعد المعقل الأبرز لتنظيمات مثل “داعش الساحل” وجماعات نصرة الإسلام والمسلمين، التي تمتلك خبرة واسعة في حرب الصحراء واستهداف الثكنات والقواعد المعزولة.

– اللاعبون الدوليون والمرتزقة: على مقربة من الحدود، تتواجد قوات فاغنر الروسية في دول مجاورة، فضلاً عن التداخلات العميقة للأزمة الليبية وفوضى الميليشيات المسلحة.

إن نشر قوات جزائرية في هذه البقعة الحساسة يعني الاحتكاك المباشر بصراعات كبرى لا يمتلك الجيش الجزائري عقيدة قتالية خاضتها مسبقاً، مما قد يجر البلاد إلى مواجهات مسلحة غير محسوبة العواقب.

4. تحويل الجيش إلى “شركة حراسة” وتفريغ الجبهة الداخلية

إن الوظيفة الكلاسيكية والمقدسة للجيش الوطني الشعبي هي الدفاع عن السيادة الوطنية وحماية الحدود الترابية للوطن. أما تحويل وحدات قتالية محترفة إلى “قوات حراسة” لمنشآت سوناطراك وأنابيب الغاز في دول أجنبية، فهو إساءة استخدام للمؤسسة العسكرية واستنزاف لمعنويات جنودها وضباطها.

حين يُقتل جندي جزائري أو يُؤسر في صحراء النيجر دفاعاً عن أنبوب غاز، فبأي منطق تُبرر هذه الخسارة للأمهات والعائلات الجزائرية؟

إن إهدار الأرواح البشرية في مغامرات خارجية يعكس استخفافاً بالثمن البشري الباهظ الذي سيدفعه الجيش نتيجة قرارات فوقية متسرعة.

خاتمة عسكرية حاسمة: إن قاعدة “ماداما” ليست مكسباً استراتيجياً كما يحاول البعض تصويرها، بل هي فخ تكتيكي ومستنقع عسكري محقق.

التاريخ العسكري مليء بدروس الجيوش التي غادرت حدودها لملء “فراغات” تركتها قوى كبرى (مثل فرنسا)، فانتهت إلى الاستنزاف والهزيمة.

على القيادة العسكرية في الجزائر قراءة المشهد الميداني بعقلانية باردة، وتجنب جر البلاد إلى مغامرة دموية في رمال الساحل المتحركة، لأن ثمن التراجع المتأخر دائماً ما يكون أقسى بكثير من شجاعة التراجع المبكر.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *