شِرْيَانُ الْأَمَلِ الْمَغَارِبِيُّ: كَيْفَ تُعِيدُ الْهَنْدَسَةُ الْمَغْرِبِيَّةُ صِيَاغَةَ مُسْتَقْبَلِ الْإِعْمَارِ فِي لِيبْيَا؟

شِرْيَانُ الْأَمَلِ الْمَغَارِبِيُّ: كَيْفَ تُعِيدُ الْهَنْدَسَةُ الْمَغْرِبِيَّةُ صِيَاغَةَ مُسْتَقْبَلِ الْإِعْمَارِ فِي لِيبْيَا؟

عبدالقادر كتـــرة

لم يعد خفياً أن مسارات إعادة الإعمار في مناطق الأزمات تتطلب ما هو أكثر من مجرد القدرة المالية أو صفقات الترضيات الظرفية؛ فهي تختبر في المقام الأول كفاءة التنفيذ، متانة البنى التحتية، وقبل كل شيء، الموثوقية السياسية والأخلاقية للشركاء.

من هذا المنطلق، يكتسب الاتفاق الرسمي الأخير بين “صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا”، برئاسة بلقاسم خليفة حفتر، ووزير الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أبعاداً استراتيجية عميقة. إنه ليس مجرد تعاقد عابر، بل هو انعطاف تاريخي ينقل العلاقات المغربية-الليبية من إطار الوساطة الدبلوماسية إلى قلب الفعل التنموي الميداني.

فبعد سنوات من التجارب المتباينة التي أثبتت فيها بعض المقاربات الإقليمية والإخوانية أو التقليدية عجزها عن تلبية المعايير الهندسية الصارمة – خصوصاً بعدما كشفت الكوارث الطبيعية الأخيرة حجم الهشاشة في بعض البنى التحتية – اتجهت الأنظار الليبية نحو الرباط. لقد أدرك الأشقاء في ليبيا أن المملكة المغربية تمثل الوجهة الأوثق لامتلاكها منظومة وطنية متكاملة للأشغال الكبرى والهندسة المدنية، راكمت نجاحاتها داخل الوطن وخارجه.

إن القوة التنافسية للشركات المغربية في مجالات البناء والأشغال العمومية لا تعتمد على الصدفة، بل تستند إلى رصيد تقني ومعرفي متطور. فأسماء وازنة في عالم المقاولات المغربية أثبتت كفاءة استثنائية في إنجاز مشاريع معقدة؛ بدءاً من المستشفيات الجامعية والملاعب الذكية، وصولاً إلى الموانئ الكبرى والبنى التحتية البحرية التي تركت بصمتها الواضحة في عدة دول أفريقية وعربية كالسعودية والإمارات والبحرين وغينيا الاستوائية والسنغال.

ومع الطفرة غير المسبوقة التي تشهدها البنية التحتية المغربية استعداداً لاستحقاقات كأس العالم 2030 – من شبكات قطار فائق السرعة، ومطارات ذكية، وتعميم للجيل الخامس – باتت الشركات المغربية قادرة على نقل هذه المعرفة (Know-How) المتقدمة إلى السوق الليبية، مختصرة بذلك سنوات من التجريب وموفرة ضمانات جودة تضاهي المعايير الأوروبية والعالمية.

لكن الميزة التفاضلية الأبرز للشركات المغربية لا تتوقف عند حدود “دفاتر التحملات” الهندسية، بل تكمن في الرصيد الدبلوماسي النزيه للمملكة.

فطوال سنوات النزاع الليبي، التزمت الدبلوماسية المغربية بحياد إيجابي ومبدئي، نأى بنفسه عن التورط في أي أجندات هيمنة أو اصطفافات عسكرية، وجعل من الرباط فضاءً حاضناً للحوارات الليبية-الليبية الخالصة (كاتفاقات الصخيرات وبوزنيقة وطنجة). وبسبب هذا السجل الناصع، لا يُنظر للفاعل الاقتصادي المغربي في طرابلس أو بنغازي باعتباره صاحب أجندة جيوسياسية مشبوهة، بل شريكاً تنموياً آمناً وموثوقاً يضع مصلحة الشعب الليبي واستقراره فوق كل اعتبار.

إن مشاركة الخبرة المغربية في إعمار ليبيا عبر ورشات كبرى تشمل الطرق المعبدة، السكك الحديدية، الأنفاق، القناطر المعلقة، والمناطق الصناعية والموانئ، لا تقتصر فوائدها على البلدين الشقيقين فحسب، بل تمتد لتفرز تداعيات إقليمية إيجابية كبرى:

1- إحياء التكامل المغاربي من بوابة الاقتصاد: في ظل الجمود السياسي الذي يعاني منه الهيكل المؤسساتي المغاربي، يثبت هذا التعاون الثنائي أن الروابط الحقيقية تبنى على أساس البراغماتية الاقتصادية وتبادل المصالح المشتركة.

2- إرساء قواعد تنافسية جديدة: دخول الشركات المغربية يكسر أي احتكار إقليمي لسوق الإعمار، ويفرض معايير الجودة والشفافية كمعيار وحيد للاستمرار.

3- تعزيز الاستقرار الأمني عبر التنمية: إن إعادة بناء المستشفيات والمناطق الصناعية وشبكات النقل هي استثمار مباشر في استقرار منطقة الساحل والصحراء، وتجفيف حقيقي لمنابع الهجرة غير النظامية عبر توفير فرص الشغل وتحريك العجلة الاقتصادية.

في الختام، يؤكد هذا التقارب أن القوة الناعمة للمغرب – المرتكزة على الاستقرار الداخلي، والنجاح التنموي، والمصداقية الدبلوماسية – قادرة على التحول إلى نفوذ اقتصادي بَنّاء يخدم تطلعات الشعوب المغاربية. إنها خطوة مفصلية ترسم معالم مستقبل عنوانه البناء والتعاون المشترك، بعيداً عن منطق الانقسامات وعصبيات التفرقة.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *