ثَرْوَاتٌ تُهْدَرُ وَأَزَمَاتٌ تَتَفَاقَمُ: عَقِيدَةُ الْعَدَاءِ لِلْمَغْرِبِ وَالْمَأْزِقُ الدَّاخِلِيُّ فِي الْجَزَائِرِ… وَالْفَاتُورَةُ الْبَاهِظَةُ لِدَعْمِ الِانْفِصَالِ فِي ظِلِّ الِانْتِكَاسَاتِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ

ثَرْوَاتٌ تُهْدَرُ وَأَزَمَاتٌ تَتَفَاقَمُ: عَقِيدَةُ الْعَدَاءِ لِلْمَغْرِبِ وَالْمَأْزِقُ الدَّاخِلِيُّ فِي الْجَزَائِرِ… وَالْفَاتُورَةُ الْبَاهِظَةُ لِدَعْمِ الِانْفِصَالِ فِي ظِلِّ الِانْتِكَاسَاتِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ

عبدالقادر كتـــرة

في الوقت الذي تتسابق فيه الأمم نحو تأمين مستقبل شعوبها عبر التنمية المستدامة، والتحول الرقمي، وتوطين الصناعات المتقدمة، لا يزال النظام العسكري الجزائري يعيش حبيس عقيدة أيديولوجية تعود إلى حقبة الحرب الباردة. هذه العقيدة التي تتغذى على خلق أعداء وهميين، جعلت من الجار المغربي هدفاً لهوس مفرط وممنهج، تحول مع مرور الوقت إلى أداة وحيدة لتبرير الإخفاقات الداخلية وتمرير السياسات التي تزيد من خنق المواطن الجزائري.

صناعة العدو الوهمي.. استراتيجية الهروب من الداخل

لم يعد خفياً على المراقبين للمشهد المغاربي أن المؤسسة الحاكمة في الجزائر تعتمد بشكل أساسي على تصدير أزماتها الداخلية.

فبدل توجيه الآلة الإعلامية والسياسية لمناقشة تحديات التنمية، والتضخم، والبطالة، وتحديث البنية التحتية، تُسخّر موارد الدولة لشن حملات إعلامية دعائية ومفبركة ضد المغرب.

هذا الهوس المرضي لا يعكس قوة، بل يكشف عن هشاشة بنيوية؛ فالنظام يحتاج إلى فزاعة خارجية لإسكات الأصوات الداخلية المطالبة بالإصلاح، محاولاً إقناع الشارع بأن هناك “تهديداً وجودياً” يتطلب تأجيل كل المطالب الاجتماعية والاقتصادية.

مفارقة صارخة: ثروات طائلة ومعاناة يومية المفارقة الأكثر إيلاماً في المشهد الجزائري هي التناقض الصارخ بين حجم المداخيل الهائلة من تصدير النفط والغاز، وبين الواقع المعيشي المرير للمواطن.

فبينما تقف طوابير المواطنين يومياً للحصول على أبسط المواد الأساسية كالحليب والزيت والسميد، وتُسن القوانين الصارمة التي تصل عقوباتها إلى السجن المؤبد لضبط أسعار البطاطا، تُهدر المليارات من الدولارات خارج الحدود.

إن حالة الانفصام بين نخبة حاكمة تعيش في أبراجها المعزولة، وشعب يكافح لتأمين قوت يومه، تؤكد أن أولويات النظام لا علاقة لها بالأمن القومي الحقيقي الذي يبدأ من الأمن الغذائي والاقتصادي للمواطنين.

نزيف المقدرات في دعم وهم الانفصال

على مدى نصف قرن، اختار النظام الجزائري أن يرهن مقدرات بلاده لدعم وتسليح وتمويل جبهة البوليساريو الانفصالية.

أموال طائلة صُرفت على صفقات التسلح، وشراء الذمم الدبلوماسية، وتمويل جماعات الضغط في العواصم الغربية، بهدف وحيد هو معاكسة المصالح الترابية للمغرب.

لو استُثمرت هذه الأموال في الداخل الجزائري، لكانت كفيلة ببناء مستشفيات حديثة، وجامعات متطورة، ومصانع تخلق ملايين فرص العمل للشباب الجزائري الذي يركب قوارب الموت هرباً من واقع مسدود.

انتكاسات دبلوماسية وعزلة دولية متزايدة رغم هذا الاستنزاف المالي والسياسي، يحصد النظام الجزائري اليوم سلسلة من الانتكاسات الدبلوماسية المتتالية. المجتمع الدولي يتجه بخطى ثابتة نحو طي هذا النزاع المفتعل، متكئاً على دعم متزايد لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، والتي تحظى اليوم باعتراف قوى دولية وازنة ودول عربية وإفريقية. هذه التحولات الاستراتيجية جعلت دبلوماسية النظام الجزائري تبدو معزولة، تتخبط في قرارات انفعالية، وتعادي دولاً كبرى وحلفاء تقليديين لمجرد أنهم اختاروا الاصطفاف مع الواقعية السياسية والشرعية التاريخية.

إن استمرار النظام في تبني هذا النهج العدائي المفرط لا يضر بالمغرب الذي يمضي قدماً في مساره التنموي ومراكمة إنجازاته الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية، بل يمثل انتحاراً بطيئاً لمستقبل الجزائر ذاتها. التاريخ يُعلمنا أن الأنظمة التي تبني بقاءها على استنزاف ثروات شعوبها في معارك خاسرة وأوهام توسعية، تنتهي دائماً إلى مواجهة حتمية مع واقع داخلي لا يمكن تخديره إلى الأبد بالشعارات الجوفاء.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *