مِنْ جَحِيمِ الِاحْتِجَازِ بِتِنْدُوفَ إِلَى أَرْوِقَةِ جِنِيفَ.. الْمَغْرِبُ يَطْرَحُ الْخِيَارَاتِ الثَّلَاثَةَ لِتَحْرِيرِ الصَّحْرَاوِيِّينَ مِنْ قَبْضَةِ الْعَسْكَرِ…. نِصْفُ قَرْنٍ مِنَ الِاحْتِجَازِ يُوَاجِهُ لَحْظَةَ الْحَقِيقَةِ فِي جِنِيفَ

مِنْ جَحِيمِ الِاحْتِجَازِ بِتِنْدُوفَ إِلَى أَرْوِقَةِ جِنِيفَ.. الْمَغْرِبُ يَطْرَحُ الْخِيَارَاتِ الثَّلَاثَةَ لِتَحْرِيرِ الصَّحْرَاوِيِّينَ مِنْ قَبْضَةِ الْعَسْكَرِ…. نِصْفُ قَرْنٍ مِنَ الِاحْتِجَازِ يُوَاجِهُ لَحْظَةَ الْحَقِيقَةِ فِي جِنِيفَ

عبدالقادر كتـــرة

على امتداد خمسة عقود، وفي واحدة من أكثر بقاع الأرض قسوة وقيظاً في “حمادة تندوف” جنوب غربي الجزائر، يعيش آلاف الصحراويين فصول مأساة إنسانية صامتة، حرصت الآلة الدعائية للنظام العسكري الجزائري طويلاً على تغليفها بشعارات سياسية براقة.

غير أن ما جرى في أروقة الأمم المتحدة بجنيف مؤخراً كسر جدار الصمت الدولي؛ إذ لم يعد النقاش يدور حول “كمية المساعدات الغذائية” التي تبتلعها شبكات الفساد قبل وصولها إلى الخيام، بل انتقل بفضل المرافعة المغربية الحاسمة أمام اللجنة التنفيذية للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين إلى جوهر المعضلة: ضرورة تفكيك هذه المخيمات فوراً، وإنقاذ سكانها عبر منحهم حقهم القانوني في اختيار مصيرهم بعيداً عن فوهات البنادق.

سجن مفتوح.. متى كان “اللاجئ” ممنوعاً من الحركة؟

المفارقة الكبرى التي تفضح حقيقة ما يجري في تندوف تكمن في الفرق القانوني والواقعي الشاسع بين صفة “اللاجئ” ووضع “المحتجز”. فبموجب اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، يتمتع اللاجئ في أي بقعة من العالم بحق أصيل في حرية التنقل داخل بلد الاستقبال، والحق في العمل، والحصول على وثائق سفر وهوية قانونية، والقدرة على مغادرة المخيمات متى شاء.

لكن الواقع الميداني في معسكرات تندوف يقدم صورة معاكسة تماماً؛ فالمخيمات مطوقة بأحزمة أمنية وخنادق وحواجز عسكرية جزائرية صارمة، تتقاسم فيها الدوريات العسكرية الجزائرية وميليشيات “البوليساريو” مهمة إغلاق المنافذ. لا يحق للصحراوي المقيم في تلك الخيام أن يغادرها نحو المدن الجزائرية أو نحو الخارج إلا بعد الحصول على “رخصة تنقل” (تصريح مرور) تخضع لشروط تعجيزية ومراقبة أمنية مشددة.

الأدهى من ذلك أن العائلات تُستعمل كرهائن لضمان عدم الفرار؛ فلا يُسمح لشاب أو رب أسرة بالمغادرة المؤقتة للعلاج أو الدراسة أو التجارة إلا إذا بقي أفراد أسرته داخل المخيم كـ”ضمانة بشرية” تكفل عودته. وعندما حاول عشرات الشباب الصحراويين كسر هذا الطوق والبحث عن لقمة العيش خارج المخيمات أو التنقيب البسيط عن الذهب في محيطها، واجهوا الرصاص الحي والقتل حرقاً في حوادث موثقة هزت الضمير الحقوقي الدولي.

إن من يُحرم من بطاقة تعريف، ويُمنع من السفر، وتُحاصر خيمته بالمدرعات ونقاط التفتيش، ليس “لاجئاً” يتمتع بالحماية الدولية، بل هو “محتجز” ومختطف مسلوب الإرادة، يُستثمر بؤسه كوقود لأجندة جيوسياسية لعسكر الجزائر.

جحيم “الحمادة”.. تجويع ممنهج واستثمار في البؤس

تحت شمس لاهبة تتجاوز حرارتها الخمسين درجة صيفاً، وبرد قارس شتاءً، يُحكم على أجيال كاملة بالعيش في عزلة تامة عن العالم. هذا الواقع دفع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين نفسه إلى إطلاق صرخة تحذير أمام مجلس الأمن، واصفاً ظروف العيش في مخيمات تندوف بأنها “غير قابلة للتحمل أو الاستمرار، وغير إنسانية إلى حد بعيد”.

تتجلى قسوة هذا الاحتجاز في تفاصيل الحياة اليومية؛ ففقر الدم الحاد وسوء التغذية ينهشان أجساد الأطفال والنساء الحوامل، بينما تُباع المواد الغذائية والأدوية الممنوحة من الاتحاد الأوروبي وبرنامج الأغذية العالمي في أسواق دول الجوار، كما أثبتت ذلك تقارير المكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال (OLAF).

يُترك السكان تحت رحمة العطش والاعتماد الكلي على فتات المساعدات، في سياسة تجويع مدروسة تهدف إلى إبقاء الصحراوي منشغلاً بتأمين رغيف خبزه اليومي، عاجزاً عن التفكير في التمرد على سجانيه، بينما يُدفع بالشباب قسراً نحو التجنيد العسكري أو السقوط في شبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود نتيجة انعدام أي أفق اقتصادي أو تعليمي.

عقدة “الإحصاء”.. لماذا يرتعد النظام الجزائري من خلوة الأمم المتحدة بالمحتجزين

طوال خمسين عاماً، رفضت الجزائر بشكل قاطع السماح للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بإجراء إحصاء وتسجيل فردي لسكان المخيمات، رغم صدور عشرات القرارات عن مجلس الأمن الدولي تلزمها بذلك.

والسبب لا يرتبط فقط بالتستر على التلاعب بأعداد السكان لتضخيم حجم المساعدات المالية والغذائية واستنزاف أموال المانحين، بل يكمن في الرعب الأمني والسياسي من “استمارة الإحصاء الأممي”.

فالقانون الدولي يفرض خلال عملية التسجيل أن يجلس موظف الأمم المتحدة مع كل فرد داخل المخيم على انفراد، وبمعزل عن أعين المخابرات الجزائرية وعناصر الميليشيات، ليسأله عن هويته الحقيقية وعن رغبته الطوعية في البقاء أو المغادرة.

يدرك النظام الجزائري أن فتح هذا الباب سيسقط القناع فوراً؛ إذ سيتبين أن نسبة كبيرة من قاطني المخيمات هم إما صحراويون مغاربة يتحينون أول فرصة آمنة للعودة إلى وطنهم وأسرهم، وإما سكان جرى استقدامهم من دول الساحل والصحراء (مالي، النيجر، وموريتانيا) لتعويض النزيف الديمغرافي وتضخيم الأرقام.

طوق النجاة من جنيف.. الخيارات الثلاثة التي تحاصر الخاطفين

أمام هذا الجمود المأساوي، جاء التدخل المغربي في جنيف ليقلب الطاولة قانونياً وإنسانياً، واضعاً حداً لسياسة “إدارة الأزمة” ومنتقلاً إلى “فرض الحلول المستدامة”. فالمغرب لم يعد يطالب فقط بمراقبة المساعدات، بل طالب رسمياً بتفكيك المخيمات وتخيير المحتجزين بحرية تامة وتحت إشراف أممي بين الخيارات الثلاثة التي يكفلها القانون الدولي:

1- العودة الطوعية إلى الوطن الأم (المغرب): حيث تنتظرهم أسرهم وقبائلهم في الأقاليم الجنوبية للمملكة، وحيث تشهد مدن العيون والداخلة والسمارة نهضة تنموية واقتصادية كبرى، مع ضمان المساواة التامة والعيش الكريم في ظل مبادرة الحكم الذاتي التي كرسها قرار مجلس الأمن رقم 2797 كحل وحيد للنزاع.

2- الاندماج المحلي في الجزائر: فمن يختار البقاء في الجزائر، يتعين على الدولة الجزائرية أن تمنحه الإقامة القانونية وحرية التنقل والعمل والعيش كمواطن أو مقيم كامل الحقوق في مدنها، لا أن تحشره في خيمة معزولة بالصحراء.

3- إعادة التوطين في بلد ثالث: منح الراغبين في الهجرة نحو دول أخرى فرصة المغادرة الشرعية عبر قنوات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين.

الضربة الأقوى التي وجهتها الدبلوماسية المغربية في هذا المحفل الدولي تمثلت في إقناع كبار المانحين الدوليين بقاعدة ذهبية: “أموال دافعي الضرائب عبر العالم يجب أن تمول حلولاً تنهي اللجوء، لا أن تمول استمرار الاحتجاز إلى الأبد”.

لقد بات النظام العسكري الجزائري اليوم أمام زاوية ضيقة لا مفر منها؛ فإما أن يرفع حواجزه العسكرية ويسمح للأمم المتحدة بلقاء الصحراويين وتخييرهم بين العودة إلى وطنهم المغرب أو الاندماج أو الرحيل إلى بلد يختارونه، وإما أن يعلن رسمياً أمام العالم أنه يدير معتقلاً كبيراً فوق ترابه، ويتحمل وحده التبعات القانونية والمالية والأخلاقية لجريمة احتجاز آلاف البشر لأكثر من نصف قرن.

إنها بداية النهاية لتجارة الأوهام، وفجر الخلاص لآلاف الأبرياء الذين طال انتظارهم للحرية ولمّ الشمل.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *