شِرْيَانُ الْقَرْنِ الْأَفْرِيقِيِّ.. لِمَاذَا يَمْتَلِكُ أُنْبُوبُ الْغَازِ “الْمَغْرِبِيُّ-النِّيجِيرِيُّ” الْحُظُوظَ الْأَكْبَرَ لِلنَّجَاحِ؟: 13 دَوْلَةً وَمُسْتَقْبَلٌ وَاحِدٌ.. عَوَامِلُ الْقُوَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ مِنْهُ مَشْرُوعاً “لَا يُمْكِنُ إِيقَافُهُ”

شِرْيَانُ الْقَرْنِ الْأَفْرِيقِيِّ.. لِمَاذَا يَمْتَلِكُ أُنْبُوبُ الْغَازِ “الْمَغْرِبِيُّ-النِّيجِيرِيُّ” الْحُظُوظَ الْأَكْبَرَ لِلنَّجَاحِ؟: 13 دَوْلَةً وَمُسْتَقْبَلٌ وَاحِدٌ.. عَوَامِلُ الْقُوَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ مِنْهُ مَشْرُوعاً “لَا يُمْكِنُ إِيقَافُهُ”

عبدالقادر كتـــرة

بينما يعيش العالم على وقع تحولات كبرى في خريطة الطاقة الدولية، وتبحث أوروبا بلهفة عن بدائل آمنة ومستدامة للغاز، تتجه الأنظار أكثر من أي وقت مضى إلى غرب القارة السمراء.

في هذا السباق الجيوسياسي المحموم، لم يعد مشروع “أنبوب الغاز الأفريقي الأطلسي” (المغربي-النيجيري) مجرد فكرة طموحة على طاولة المفاوضات، بل بات يتحول وبثبات إلى واقع يفرض نفسه كأكثر المشاريع حظاً للنجاح وأقربها إلى التحقق، متفوقاً بمسافات ضوئية على كل المبادرات الارتجالية والمنافسة في المنطقة.

لكن، ما الذي يجعل هذا المشروع العملاق، الذي يمتد على مسافة تقارب 6,800 كيلومتر وبتكلفة تقديرية تصل إلى 25 مليار دولار، يمتلك كل هذه الحظوظ الكبيرة للنجاح بينما تعثرت مشاريع أخرى أقصر مسافة؟

الإجابة تكمن في خمس ركائز أساسية تجمع بين أمن الجغرافيا، وجاذبية التمويل، والمنفعة الجماعية.

1. أمن الجغرافيا: المسار البحري “الآمن” مقابل فخ الصحراء المضطربة

في عالم اقتصاديات الطاقة، الأمن هو العملة الصعبة. وهنا تظهر العبقرية الاستراتيجية للأنبوب المغربي-النيجيري؛ إذ يعتمد في غالبية مساره على خط بحري محاذٍ للسواحل يمر عبر المياه الإقليمية لدول غرب أفريقيا، وصولاً إلى المغرب ومنه إلى أوروبا.

هذا المسار الأطلسي يمنح المشروع ميزة أمنية مطلقة، حيث يتفادى بالكامل المرور عبر “مثلث الموت” في منطقة الساحل والصحراء الكبرى، التي تعج بالجماعات المسلحة والتوترات الأمنية والانقلابات العسكرية المتتالية.

بينما يواجه المشروع المنافس (الجزائري-النيجيري العابر للصحراء) خطر الاستهداف الدائم وصعوبة تأمين آلاف الكيلومترات في مناطق معزولة أمنياً، يوفر المسار البحري الأطلسي حماية طبيعية تحت سيادة دول مستقرة وملتزمة أمنياً، مما يمنح المستهلك الأوروبي والمستثمر الدولي الضمانة القصوى لتدفق الغاز دون انقطاع.

2. “التكامل الأفريقي” كضمانة اقتصادية.. 13 دولة وليست ثلاثاً فقط

الفرق الجوهري الذي يمنح الأنبوب المغربي-النيجيري تفوقاً حاسماً هو فلسفته التنموية. فبينما غاية المشاريع الأخرى هي مجرد “ترانزيت” (عبور) لنقل الغاز من منبعه إلى مصبه دون نفع حقيقي للدول التي يمر عبرها، يربط الأنبوب الأطلسي 13 دولة أفريقية (تضم قرابة 400 مليون نسمة).

هذا المشروع ليس مجرد أنبوب غاز، بل هو رافعة اقتصادية ستوفر الكهرباء لجميع هذه الدول، وتدعم صناعاتها المحلية، وتخلق ملايين فرص الشغل للشباب الأفريقي.

هذا “الربط متعدد الأطراف” يعني أن المشروع يمتلك سوقاً استهلاكية داخلية ضخمة ومضمونة. وحتى في حال تراجع الطلب الأوروبي مستقبلاً، فإن حاجة غرب أفريقيا المتزايدة للطاقة كفيلة وحدها بضمان بقاء الأنبوب مجدياً ومربحاً على المدى الطويل، وهو ما لا يتوفر في الأنابيب المباشرة التي تعتمد على زبون واحد.

3. البنك الدولي والصناديق السيادية.. لماذا يهرع المموّلون لهذا المشروع؟

المشاريع الكبرى لا تنجح بالشعارات بل بالقدرة على جذب الأموال. وتثبت التطورات الأخيرة أن الأنبوب المغربي-النيجيري بات مغناطيساً للمؤسسات المالية الدولية.

فمنذ توقيع مذكرات التفاهم التاريخية مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، توالت الإشارات الإيجابية من كبار المانحين:

– صندوق أوبك للتنمية الدولية والبنك الإسلامي للتنمية سارعا لتمويل الدراسات الهندسية والتقنية.

– البنوك والصناديق السيادية الدولية (بما فيها الأوروبية والخليجية) تبدي حماساً منقطع النظير للمشاركة في التمويل لأنها ترى في المشروع استثماراً آمناً تدعمه مؤسسات إقليمية قوية.

وفي المقابل، تجد المشاريع المنافسة نفسها في عزلة تمويلية؛ نظراً لعزوف البنوك الدولية عن ضخ مليارات الدولارات في مناطق عالية المخاطر الأمنية والسياسية، مما يترك أصحاب تلك المشاريع أمام خيار صعب: إما التمويل المنفرد المرهق للخزائن الوطنية، أو إبقاء المشاريع مجرد حبر على ورق.

4. الإرادة والجدية.. تحالف العملاقين (الرباط وأبوجا)

لا يمكن إغفال عامل “الموثوقية والجدية” الذي تطبعه الشراكة بين المغرب ونيجيريا.

نيجيريا، بوصفها العملاق النفطي وصاحبة أكبر احتياطي غاز في أفريقيا، تبحث عن تنويع حقيقي لمنافذها وتطوير قطاعها بالتعاون مع شريك يتمتع بالصدقية وسرعة الإنجاز والمكانة اللوجستية العالمية كالمغرب.

المملكة المغربية، التي أثبتت جدارتها في تنفيذ أضخم المشاريع الإقليمية (مثل ميناء طنجة المتوسط، وأكبر محطات الطاقة الشمسية في العالم “نور”، وشبكة البراق السريعة)، تقدم الضمانة التنظيمية والهندسية لإنجاح هذا الورش.

هذا التناغم بين وفرة الموارد النيجيرية وكفاءة الإنجاز والاستقرار المغربي يمنح المشروع دفعاً استثنائياً يتجاوز البيروقراطية والتردد الدبلوماسي الذي يعيب مبادرات أخرى في المنطقة.

5. خطوة بخطوة.. خارطة طريق واقعية وليست حبراً على ورق

الحظوظ الكبيرة لنجاح هذا المشروع تظهر أيضاً في واقعية خطواته التنفيذية؛ فالأمر لم يعد مجرد إعلان سياسي، بل هو مسار يسير بانتظام:

– تم الانتهاء من الدراسات الهندسية التفصيلية.

– وُقعت الاتفاقيات القانونية والمؤسساتية مع جميع الدول التي يمر عبرها الأنبوب بلا استثناء.

– تم إحداث شركة المشروع ومقرها الدار البيضاء لإدارة وتنسيق العمليات.

– تجري حالياً الترتيبات لقرار الاستثمار النهائي المرتقب بنهاية عام 2026، تمهيداً لبدء أشغال البناء الفعلي.

خلاصة القول، إن التاريخ لا يصنعه من يتحركون بردود الفعل السريعة والمكايدات السياسية، بل من يبنون الشراكات الحقيقية التي تخدم رفاهية الشعوب.

أنبوب الغاز “المغربي-النيجيري” ليس مجرد مشروع طاقي، بل هو إعلان عن ولادة “أفريقيا جديدة” واثقة من قدراتها، ومترابطة بمصالحها، ومفتوحة على العالم. ومع توفر عوامل الأمن، والتمويل، والجدية، والتكامل الإقليمي، يمكن القول بثقة: إن هذا الأنبوب لا يسير فقط نحو النجاح، بل إنه بات يمثل قدر المنطقة والمستقبل الطاقي الذي طال انتظاره للقارة السمراء.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *