دورة أكتوبر بجماعة وجدة.. حين يتحول النقاش إلى صراع
كان يفترض أن تكون دورة أكتوبر لمجلس جماعة وجدة، باعتبارها دورة مرتبطة بالميزانية وبمجموعة من النقاط المدرجة في جدول الأعمال، محطة للنقاش المسؤول، وتبادل الآراء، وممارسة أعضاء المجلس لدورهم الرقابي والترافعي بكل قوة ووضوح.
لكن ما شاهدناه خلال هذه الدورة، وما تم تداوله على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، يطرح أكثر من علامة استفهام حول مستوى النقاش داخل مؤسسة يفترض أن تكون عنوانًا للرزانة والمسؤولية واحترام الاختلاف.
من حق أي عضو بمجلس جماعة وجدة أن يسأل، وأن يعارض، وأن ينتقد، وأن يطلب التوضيحات حول المطرح العمومي، أو النقل الحضري، أو الأسواق، أو الميزانية، أو أي ملف يهم المواطن الوجدي. بل إن الصمت أمام الاختلالات، إن وُجدت، لا يخدم المؤسسة ولا المواطنين.
لكن ممارسة هذا الحق شيء، وتحويل قاعة المجلس إلى ساحة للصراع والتحدي ورفع الأصوات شيء آخر تمامًا.
ما شهدناه من بعض الأعضاء من حدة في الخطاب، ورفع للصوت، وتبادل للتحدي، وطريقة في الترافع تجاوزت في بعض اللحظات حدود النقاش المؤسساتي، لا يمكن اعتبارها مجرد اختلاف في وجهات النظر.
فالاختلاف لا يبرر الإساءة، والمعارضة لا تعني الفوضى، وقوة الموقف لا تقاس بعلو الصوت.
مجلس جماعة وجدة مؤسسة لها شرعية إنتخابية، وأعضاؤه يمثلون المواطنين، وبالتالي فإن كل عضو مطالب بأن يحافظ على هيبة المؤسسة التي يمثلها، سواء كان من الأغلبية أو المعارضة، وسواء كان مؤيدًا للرئيس أو منتقدًا لتدبيره.
ليس المطلوب من العضو أن يصمت، بل المطلوب أن يتحدث بمسؤولية. وليس المطلوب أن يتنازل عن حقه في الترافع، بل أن يمارس هذا الحق بالاحترام الذي تفرضه المؤسسة.
والأخطر أن دورة أكتوبر تأتي في سياق خاص، باعتبارها من المحطات الأساسية المرتبطة بالميزانية وبقرارات لها أثر مباشر على تدبير الشأن المحلي. وكان الأولى أن ينصب النقاش على مضمون النقاط، وعلى الأرقام، والبرامج، والاختيارات، ومدى استجابتها لانتظارات سكان وجدة.
أما أن تتحول الدورة إلى مشهد من الصراخ والتجاذب والتحدي، فهذا لا يخدم لا الأغلبية ولا المعارضة، ولا يخدم في النهاية المواطن الذي ينتظر من منتخبيه حلولًا حقيقية لمشاكل المدينة.
وجدة تحتاج اليوم إلى نقاش قوي، نعم؛ إلى معارضة يقظة، نعم؛ إلى مساءلة ومحاسبة، نعم؛ لكنها تحتاج قبل كل شيء إلى مسؤولية واحترام.
فالعضو الذي يملك ملفًا قويًا لا يحتاج إلى رفع صوته، والذي يملك حجة مقنعة لا يحتاج إلى التهجم، والذي يدافع عن مصالح المواطنين يستطيع أن يفعل ذلك بالكلمة والحجة والوثيقة.
أما تحويل النقاش المؤسساتي إلى صراع شخصي، فهو إساءة للمؤسسة قبل أن يكون إساءة لأي طرف آخر.
الرسالة واضحة: اختلفوا كما شئتم، عارضوا كما شئتم، واسألوا كما شئتم، لكن لا تجعلوا من مؤسسة منتخبة ساحة للتراشق.
إن هيبة مجلس جماعة وجدة مسؤولية جماعية، والرقي بالنقاش داخله ليس ترفًا، بل واجب على كل منتخب اختار أن يمثل سكان المدينة.
وفي نهاية المطاف، التاريخ لا يتذكر من رفع صوته أكثر، وإنما يتذكر من قال كلمة حق، وقدم حجة، ودافع عن مصلحة المدينة، وحافظ في الوقت نفسه على احترام المؤسسة.

