بَعْدَ الْمَاكِ وَالْمَغْرِبِ وَإِسْرَائِيلَ، رَئِيسُ الْجَزَائِرِ يَتَّهِمُ الْمُخْتَلِّينَ عَقْلِيًّا بِإِشْعَالِ حَرَائِقِ الْغَابَاتِ بِالْكَوَابِيسِ: “إِدَارَةُ الْكَوَارِثِ أَمْ إِدَارَةُ الرِّوَايَاتِ؟.. حَرَائِقُ الْغَابَاتِ وَمَأْزَقُ الْخِطَابِ السِّيَاسِيِّ”
عبدالقادر كتـــرة
تُشكل حرائق الغابات الموسمية أحد أكبر التحديات البيئية والأمنية التي تواجه دول حوض البحر الأبيض المتوسط، نظراً لما تخلفه من خسائر بشرية واقتصادية وفادحة في الغطاء النباتي.
وفي الوقت الذي تتجه فيه أساليب إدارة الأزمات حديثاً نحو تعزيز الجاهزية الميدانية وتطوير منظومات الإنقاذ والاستجابة السريعة، يظل الخطاب السياسي في بعض التجارب متماسكاً حول البحث عن “فاعل إجرامي” أو “سيناريو مؤامرة” يفسر اندلاع النيران في ظروف مناخية صعبة.
شهد الخطاب الرسمي في الجزائر تحولاً لافتاً في التعاطي مع ملف الحرائق، حيث تنوعت الاتهامات على مدار السنوات الأخيرة لتطال أطرافاً مختلفة؛ بدءاً من التلميح إلى “أيادٍ خفية” وجهات خارجية، مروراً باتهام تنظيمات وسياسيين في المعارضة، وصولاً إلى التصريح الأخير الذي أشار فيه الرئيس عبد المجيد تبون إلى “استغلال وتوجيه أفراد يعانون من اضطرابات أو نقص عقلي” لإضرام النيران عبر أساليب غير تقليدية.
1. المفارقة القانونية والأهلية الجنائية
يطرح هذا التفسير الجديد إشكالاً قانونياً وفلسفياً عميقاً حول طبيعة الجريمة والعقاب. فمن الناحية التشريعية، تُشدد السلطات على فرض أقصى العقوبات – كعقوبة الإعدام – بحق المتورطين في إحراق الغابات باعتبارها جرائم تمس الأمن القومي والبيئي. غير أن إدخال عنصر “المرضى العقليين” في المعادلة يستوجب الوقوف عند قواعد المسؤولية الجنائية المعتمدة في كافة التشريعات المقارنة:
– غياب الركن المعنوي: تُجمع القوانين الجزائية على أن قيام الجريمة يتطلب توفر الإرادة والتمييز (الركن المعنوي). والأشخاص الذين يعانون من فقدان الأهلية العقلية لا يخضعون للعقاب الجنائي، بل للإيداع في مؤسسات الاستشفاء والعلاج النفسي.
– إثبات التحريض: إن الادعاء بوجود “توجيه أو استغلال” لمرضى عقليين يستدعي إثباتاً قضائياً يقدم المحرضين الحقيقيين والأجهزة المفترضة للرأي العام، وإلا أصبحت الرواية غير قابلة للإثبات أو النفي، مما يضعف حجيتها أمام الرأي العام الداخلي والدولي.
2. البعد الاجتماعي: وصم الفئات الهشة
تثير الإشارة إلى المرضى النفسيين أو العقليين كأدوات للإجرام محاذير اجتماعية وإنسانية متعددة. إذ تزيد مثل هذه التصريحات من حدة النظرة السلبية والوصم الاجتماعي تجاه فئة تعاني بالأساس من التهميش وضعف الرعاية الصحية والنفسية.
وبدلاً من أن تؤدي الأزمة إلى فتح ملف الخدمات الطبية النفسية ودعم الأسر، يقع تحميل هذه الفئة أو استغلال وجودها في السجالات السياسية.
3. صرف الانتباه عن جوهر الأزمة: الإمكانيات والوقاية
على صعيد إدارة الأزمات، يؤدي الإفراط في التركيز على البعد المؤامراتي أو العمل الإجرامي إلى تحريف النقاش العام عن التساؤلات الجوهرية التي تشغل الشارع والمختصين في مجال البيئة والسلامة والوقاية:
– الجاهزية والعتاد: هل تتناسب إمكانيات الإطفاء الجوي (عدد الطائرات وسعتها) مع الرقعة الغابية الواسعة؟
– الإنذار المبكر: ما هي حالة شبكات المراقبة، وخطوط الفرز، وممرات الطوارئ داخل الكتل الغابية؟
– التغير المناخي: كيف تتعامل السياسات العامة مع الموجات الحرارية الاستثنائية وتراجع منسوب الأمطار التي تجعل الغابات عرضة لاندلاع النيران تلقائياً أو بإهمال بسيط؟
تظهر التجارب الدولية في منطقتنا – كاليونان وتركيا وإسبانيا – أن التركيز على الخطاب المؤامراتي في بداية الأزمات غالباً ما يتراجع أمام حجم الوقائع الميدانية، ليعود النقاش سريعاً إلى نجاعة السياسات الوقائية ومستوى كفاءة الأجهزة الميدانية.
الخاتمة: الحاجة إلى الشفافية والمؤسساتية
إن بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة في أوقات الكوارث لا يتحقق بعرض روايات تتغير بتغير الموسم أو تزداد غموضاً، بل عبر الشفافية الكاملة، ونشر نتائج التحقيقات القضائية الموثقة بالأدلة، والتركيز على رفع كفاءة أجهزة الحماية المدنية.
يبقى المعيار الحقيقي لنجاح أي دولة في مواجهة التحديات المناخية والبيئية هو قدرتها على حماية أرواح مواطنيها وممتلكاتهم عبر الاستثمار في الوقاية والتطوير المؤسسي، وليس من خلال مطاردة الروايات المبنية على فرضيات يصعب إثباتها.

