اِنْقِلَابُ السِّحْرِ عَلَى السَّاحِرِ وَصَائِدُو الْأَرْشِيفِ فِي مِصْيَدَةِ التَّارِيخِ: حِينَ تَنْطِقُ الْوَثَائِقُ بِـ”مَغْرِبِيَّةِ الْقُفْطَانِ” وَتُفْحِمُ لُصُوصَ التُّرَاثِ… عِنْدَمَا يُوَثِّقُ الْأَرْشِيفُ دِقَّةَ الْعَطَاءِ الْفَاسِيِّ
عبدالقادر كتـــرة
تُشكل الهوية الثقافية والتراث الحضاري للأمم خط الدفاع الأول عن ذاكرتها التاريخية ووجودها الأصيل.
وفي السنوات الأخيرة، تزايدت محاولات السطو الثقافي والقرصنة التراثية التي تستهدف المعالم الأصيلة للحضارة المغربية الضاربة في أعماق التاريخ، وفي مقدمة هذه المعالم “القفطان المغربي” الفاخر، الذي لم يكن يوماً مجرد قطعة ثياب عابرة، بل سجلاً بصرياً يختزل مئات السنين من الإبداع والمهارة والذوق الرفيع للصانع التقليدي المغربي.
غير أن المفارقة الساخرة في هذه المحاولات تتمثل في لجوء البعض إلى الأرشيفات والصور التاريخية ظناً منهم أنهم وجدوا ضالتهم لنسب هذا التراث لأنفسهم أو لتجريده من هويته، فإذا بالوثائق والصور التاريخية تنقلب عليهم وتتحول إلى دليل إدانة صريح يورطهم ويفحم ادعاءاتهم بالدليل القاطع.
وثائق تفحم الأدعياء: السحر ينقلب على الساحر
في كثير من الأحيان، يسعى من يحاولون السطو على التراث المغربي إلى نشر صور تاريخية أو مستندات قديمة يُمنى فيها القارئ غير الفاحص بإيحاءات مضللة، كالتشبث بوصف شخصيات أو ألقاب معينة وردت في الهوامش دون قراءة المتن أو فهم السياق.
لكن بمجرد إخضاع هذه الوثائق للقراءة الدقيقة والموضوعية، يتجلى المستور، وتتحول “حجة الادعاء” إلى سند تاريخي يرسخ مغربية هذا الفن وصناعته الأصيلة.
تُظهر إحدى الوثائق والصور التراثية المتداولة لالتقاطة قديمة لزوجين، نصاً واضحاً لا يحتمل التأويل ولا يدع مجالاً للشك؛ إذ يوثق النص المصاحب للزي بوضوح صريح أن السيدة ترتدي “القفطان المغربي الشهير” المطرز بخيوط الذهب الفاخرة والمعروف بـ “طرز النطع”.
طرز النطع الفاسي ونقش الطاووس: بصمة مغربية ذات امتداد عريق
لم تقف الوثيقة عند حدود التسمية الصريحة للقفطان المغربي، بل غاصت في تفاصيل الدقة الفنية والهوية المكانية لهذا الفن، حيث أشارت إلى المثل المأثور الذي يصف الرقي الحضاري للمملكة: “العالم طاووس، والمغرب ذيله”. وتوضح الوثيقة التاريخية أن نقش “الطاووس” المعتمد في هذا التطريز يُعد بصمة فريدة وحصرية لأعمال الحرفيين والصناع المهرة في “ملاح فاس” العريق بالمملكة المغربية.
إن هذه التفاصيل التاريخية الدقيقة المتضمنة في الأرشيفات والوثائق تضع حداً لجميع محاولات التزييف؛ فـ “طرز النطع” ليس مجرد أشكال عابرة، بل هو مدرسة قائمة بذاتها نشأت وتطورت في العاصمة العلمية والروحية للمملكة (فاس)، واستخدمت أقمشة المخمل (المبراة) والخيوط الذهبية (“الصقلي”) بأيدي صناع مغاربة خلدوا اسم فاس كمركز عالمي لصناعة الفخامة التقليدية.
السطو الثقافي أمام قوة التراث الحي
إن محاولة السطو على التراث الثقافي عبر اقتطاع الصور من سياقها أو تحريف المضامين ليست سوى دليل على الإفلاس الحضاري؛ فالتاريخ لا يُكتب بالادعاءات على منصات التواصل الاجتماعي، بل يصنعه الامتداد الإنساني والعمراني والحرفي الموثق بالمستندات والمعالم القائمة.
إن القفطان المغربي، بطرز النطع الفاسي، وطرز الغرزة، والتطريز الرباطي، والسلاوي، والنطع المراكشي، ليس بضاعة مستوردة أو وليدة المصادفة، بل هو نتاج عبقرية متراكمة للأمة المغربية عبر العصور، حظيت برعاية سلاطين المغرب وملوكه وصناعه وفنانيه.
الحقيقة التاريخية تنتصر دائماً
ختاماً، يمكن القول إن كل محاولة للسطو على التراث المغربي باستخدام الوثائق والأرشيفات لن تجلب لأصحابها سوى الخيبة والانكشاف؛ فالوثائق التاريخية الحقيقية أمانة تستعصي على التزييف، وكلما حفر الأدعياء في التراث بحثاً عن موطئ قدم، خذلتهم النصوص وانقلبت الأدلة ضدهم، لتظل الحضارة المغربية شامخة بأصالتها، وعصية على القرصنة، وموثقة بأقلام المؤرخين وعدسات المصورين عبر التاريخ.

