مِنْ قَطَرَ وَمُونْدِيَالِ الشَّبَابِ إِلَى مُقَارَعَةِ عَمَالِقَةِ الْعَالَمِ: أَسُودُ الْأَطْلَسِ.. مِنْ هَيْبَةِ الْمَلَاعِبِ إِلَى فَرْضِ قَوَاعِدِ النِّدِّيَّةِ فِي الدِّبْلُومَاسِيَّةِ الْكُرَوِيَّةِ الْعَالَمِيَّةِ وَيَرُدُّونَ الصَّاعَ صَاعَيْنِ لِلْأَرْجَنْتِينِ

مِنْ قَطَرَ وَمُونْدِيَالِ الشَّبَابِ إِلَى مُقَارَعَةِ عَمَالِقَةِ الْعَالَمِ: أَسُودُ الْأَطْلَسِ.. مِنْ هَيْبَةِ الْمَلَاعِبِ إِلَى فَرْضِ قَوَاعِدِ النِّدِّيَّةِ فِي الدِّبْلُومَاسِيَّةِ الْكُرَوِيَّةِ الْعَالَمِيَّةِ وَيَرُدُّونَ الصَّاعَ صَاعَيْنِ لِلْأَرْجَنْتِينِ

عبدالقادر كتـــرة

“المنتخب المغربي يرد للمنتخب الأرجنتيني الصاع صاعين” وهذا يرتبط تاريخياً ورياضياً بمواجهتين بارزتين تفوق فيهما المغرب على الأرجنتين، ليعوض بهما خسائر سابقة أمام “التانغو”:

نهائي كأس العالم للشباب (تحت 20 سنة): حقق المنتخب المغربي للشباب إنجازاً تاريخياً غير مسبوق للكرة العربية والإفريقية بعد فوزه على نظيره الأرجنتيني بنتيجة 2-0 في المباراة النهائية، ليتوج بطلاً للعالم.

هذا الفوز جاء بمثابة رد قوي على الهيمنة الأرجنتينية التاريخية في هذه الفئة العمرية.

افتتاح أولمبياد باريس: تمكن المنتخب المغربي الأولمبي من الفوز على الأرجنتين بنتيجة 2-1 في مباراة دراماتيكية شهيرة ومثيرة للجدل، والتي شهدت إلغاء هدف التعادل للأرجنتين بعد توقف طويل للمباراة، ليحسم الأسود النقاط الثلاث لصالحهم.

هذه الانتصارات المتتالية في المنافسات الرسمية الكبرى جعلت الجماهير تردد هذه العبارة للدلالة على فرض الكرة المغربية لسيطرتها ورد الاعتبار أمام أحد أقوى المدارس الكروية في العالم.

لم يكن الطلب المالي الأرجنتيني (الذي قُدر بنحو مليار ونصف مليار سنتيم كمصاريف وشروط إضافية لتنظيم اللقاء بالمغرب) مجرد رقم عابر، بل كان يعكس نظرة استعلاء تقليدية تتعامل بها الاتحادات الكبرى مع المنتخبات الصاعدة أو التي تقع خارج قارتي أوروبا وإمريكا الجنوبية.

الاتحاد الأرجنتيني، بصفته حاملاً للقب كأس العالم، أراد استثمار قيمته التسويقية بفرض شروط مجحفة تثقل كاهل المنظمين، متناسياً أن المنتخب المغربي أصبح بدوره رقماً صعباً في المعادلة الكروية العالمية بفضل إنجاز مونديال قطر 2022 وتطور بنياته التحتية ومكانته في تصنيف الفيفا.

1- رفض ابتزاز الشروط المادية: قرار الجامعة الملكية المغربية برفض دفع مبالغ فلكية لاستضافة منتخب ودية أجهض محاولة استغلال اسم “أسود الأطلس” تجارياً دون عائد منطقي يوازي حجم التكلفة.

2- معاملة الندية الرياضية (الصاع بالصاع): عندما عاد الجانب الأرجنتيني لطلب المباراة على أرضه (تحديداً بعد تعثر الاتفاق في الرباط)، جاء الرد المغربي حاسماً برفض السفر وضيق الوقت، وهو ما يشكل رسالة واضحة مفادها أن برمجة المباريات تخضع لأجندة ومصلحة المنتخب المغربي الفنية وليست رهن رغبة الطرف الآخر في تعويض خسائره أو البحث عن مباريات سهلة ومضمونة العوائد.

لم يعد حضور الكرة المغربية على الساحة الدولية مجرد مشاركة عابرة أو إنجاز استثنائي ولحظي، بل تحول إلى مسار تصاعدي ثابت ومتواصل رسخ مكانة “أسود الأطلس” بين صفوة المنتخبات العالمية.

فمن ملحمة قطر التاريخية وبلوغ المربع الذهبي كأول منتخب عربي وإفريقي يحقق هذا الإنجاز، إلى الحضور البارز والمستمر في أدوار المجموعات والمتقدمة وصولاً إلى بلوغ الدور ربع النهائي في مونديال 2026، وصولاً إلى التتويج المدوّي لأشبال الأطلس (أقل من 20 سنة) ببطولة كأس العالم على حساب مدرسة كروية عملاقة كالأرجنتين، تثبت الرياضة المغربية أن طموحها بات بلا حدود.

هذا الصعود الميداني المتكامل لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة استراتيجية وطنية متكاملة البنیات والتخطيط، تجسدت في الاستثمار الحقيقي في التكوين، وتطوير البنيات التحتية الرياضية، واحترافية التسيير الإداري والفني. وهو ما ترجمه تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بوضع المنتخب المغربي في الرتبة الخامسة عالمياً، متفوقاً على أسماء تاريخية تقليدية، في اعتراف صريح بأن الكرة المغربية أصبحت رقماً صعباً ومعادلة لا يمكن تجاوزها في الخريطة الكروية الدولية.

هذا التحول الجذري في المكانة والوزن الرياضي انعكس بشكل طبيعي على مستوى “الدبلوماسية الكروية” للمملكة. فلم تعد الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم تتعامل بمنطق الاستجابة المشروطة أو قبول شروط الاتحادات الكبرى التي تحاول أحياناً استغلال الأسماء الرنانة للأسود لأغراض تسويقية أو مالية بحتة دون احترام لمبدأ التكافؤ والندية. ولعل الرفض الحاسم للاتحادات التي تحاول فرض شروط مجحفة أو أجندات استعراضية، والتعامل بمنطق الندية المطلقة ومبدأ “المعاملة بالمثل”، يعكس استقلالية القرار الكروي المغربي وثقته التامة في مشروعه.

إن الفوز التاريخي لمنتخب الشباب على الأرجنتين بثنائية نظيفة في نهائي المونديال، وما يليه من صوّر تلاحم الأجيال، يبعث برسالة واضحة لكل المدارس الكروية التقليدية في أمريكا الجنوبية وأوروبا: جيل اليوم لا يهاب التاريخ ولا الأسماء الرنانة، بل يؤمن بلغتي العمل والميدان.

فالكرة المغربية اليوم لا تبحث عن مجرد “مباريات استعراضية” تخدم مصالح الطرف الآخر، بل تختار خصومها ومعسكراتها وفق رؤية فنية دقيقة تخدم أهدافها المستقبلية.

باختصار، لقد غادر المغرب مربع المشاركة المشرفة إلى مربع صناعة القرار والتأثير. وأصبح لزاماً على المنتخبات الكبرى إدراك أن التعامل مع الكرة المغربية بات يقتضي احتراماً متبادلاً وندية تامة تليق بمنتخب يقف بكل استحقاق في مصاف الكبار عالمياً.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *