الْكُرَةُ فِي مَلْعَبِ الْبُولِيسَارْيُو”… وَاشِنْطُنُ تَرْسُمُ مَخْرَجاً آمِناً لِلْجَزَائِرِ فِي مَلَفِّ الصَّحْرَاءِ… حِينَ يُضَحَّى بِالْوَكِيلِ: الْخُطَّةُ الْأَمْرِيكِيَّةُ لِإِنْهَاءِ نِزَاعِ الصَّحْرَاءِ بِأَقَلِّ الْخَسَائِرِ لِلنِّظَامِ الْجَزَائِرِيِّ
عبدالقادر كتـــرة
لم تكن تصريحات مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي أشاد فيها بموقف الجزائر معتبراً أن “الكرة باتت في ملعب البوليساريو”، مجرد زلة لسان دبلوماسية أو مجاملة بروتوكولية عابرة؛ بل عكست بوضوح تطبيقاً نموذجياً لقاعدة عسكرية ودبلوماسية قديمة صاغها الفيلسوف “صن تزو”: «ابنِ لخصمك جسراً من ذهب ليتراجع عبره».
في كواليس السياسة الدولية، لا تُقاس التصريحات بما تقوله نصوصها الحرفية، بل بما تتيحه من مناورات وما تفتحه من أبواب مواربة.
فبينما يدرك العالم أجمع أن جبهة البوليساريو ليست سوى واجهة سياسية وعسكرية يتحكم قصر المرادية بمفاصل تمويلها، تسليحها، وقرارها المصيري منذ نصف قرن، اختارت واشنطن عمداً الفصل بين “الوكيل” و”الكفيل”، في خطوة ذكية تستهدف تحرير مسار التسوية من عقدة المكابرة الجزائرية، وتوفير مظلة لحفظ ماء وجه المؤسسة العسكرية في الجزائر.
تفكيك المناورة الأمريكية: عزل الوكيل لتحييد الراعي
تعتمد المقاربة الأمريكية على البراغماتية الصرفة؛ فحشر النظام الجزائري في الزاوية واتهامه رسمياً ومباشراً بالعرقلة لن يقود إلا إلى مزيد من التصلب وتغذية الخطاب القومي المتشنج الذي تقتات عليه العقيدة العسكرية في الجزائر.
من هنا، جاءت تصريحات مسعد بولس لتنزع الفتيل تدريجياً: الإشادة بسلوك الجزائر الرسمي وتصويرها كـ”شريك متجاوب”، مقابل حصر صفة “المعرقل المحتمل” في قيادة تندوف وحدها عبر دعوتها لتقديم ملاحظاتها على مقترح الحكم الذاتي.
بهذا التكتيك، تحقق الدبلوماسية الأمريكية هدفين متوازيين:
1- تجريد البوليساريو من غطائها السياسي: وضع الجبهة وجهاً لوجه أمام خيارات المجتمع الدولي وقرارات مجلس الأمن، وتصوير أي رفض من طرفها على أنه تمرد غير مبرر ضد مسار السلام الدولي.
2- إعفاء الجزائر من المسؤولية القانونية والمباشرة: تحويل دورها الشكلي أمام الرأي العام العالمي من “طرف أصيل ومحرك للنزاع” إلى مجرد “دولة جوار متعاونة”، وهو ما يمنح القيادة الجزائرية مساحة للمناورة لم تكن متاحة من قبل.
خطة “النزول عن الشجرة”: كيف يخرج النظام الجزائري بأقل الخسائر؟
يواجه النظام الجزائري منذ سنوات مأزقاً استراتيجياً متفاقماً؛ فالمشروع الانفصالي استنزف مئات المليارات من عائدات النفط والغاز، وتسبب في عزلة إقليمية خانقة، في وقت حسم فيه المغرب النزاع ميدانياً بالجدار الرملي وتنموياً بالاعترافات الدولية المتوالية بمغربية الصحراء.
العقدة الكبرى لم تكن في قناعة قادة الجيش بجدوى استمرار النزاع، بل في “كيفية الخروج منه دون إعلان الهزيمة أمام الداخل الجزائري”.
وهنا تتبلور ملامح “خطة الإخراج” التي تسهلها واشنطن عبر العناصر التالية:
– إعادة صياغة السردية الداخلية: يتيح الموقف الأمريكي للإعلام الرسمي الجزائري إعادة تدوير الخطاب؛ إذ يمكن للنظام أن يسوق داخلياً أنه “أدى واجبه التاريخي والمبدئي في دعم حق تقرير المصير، لكن القرار النهائي يعود للصحراويين أنفسهم، والجزائر لا تفرض وصايتها على أحد”.
هذه الصياغة تتيح فك الارتباط الأخلاقي والسياسي التدريجي عن البوليساريو دون الاعتراف بالفشل.
– تحميل قيادة تندوف وزر الإخفاق: في حال وصلت المفاوضات إلى حائط مسدود أو فرضت الأمم المتحدة حلاً سياسياً واقعياً مبنياً على الحكم الذاتي، ستتحمل قيادة البوليساريو وحدها التبعات أمام سكان المخيمات وأمام العالم، باعتبارها المسؤولة عن إهدار الفرص وقراءة التحولات الجيوسياسية بشكل خاطئ.
– صفقة المقابل الاستراتيجي مع الغرب: خروج الجزائر الهادئ من النزاع لن يكون مجانياً؛ إذ تسعى واشنطن وعواصم أوروبية لمكافأة هذا التحول عبر تعزيز الشراكة الطاقية، توسيع التعاون الأمني في منطقة الساحل، وضمان استقرار النظام الداخلي وتفادي سيناريوهات الضغط الاقتصادي أو العقوبات.
البوليساريو في مهب العزلة: ثمن التراجع التكتيكي
الخاسر الأكبر في هذه المعادلة الجديدة هي جبهة البوليساريو. فالجبهة التي اعتادت الاختباء خلف الثقل الدبلوماسي والمالي للجزائر تجد نفسها اليوم أمام واقع مرير: إما الانخراط في مفاوضات تحت سقف السيادة المغربية ومقترح الحكم الذاتي الذي يحظى بإجماع دولي واسع، أو البقاء خارج التاريخ والتحول تدريجياً في نظر الدوائر الغربية من “حركة سياسية” إلى “عبء أمني” يهدد استقرار شمال إفريقيا والساحل.
إن تجريد الجبهة من الدعم المطلق والعلني سيقود حتماً إلى تصدعات داخلية داخل مخيمات تندوف، خاصة مع تنامي شعور الأجيال الشابة باليأس من وعود القيادة التاريخية الهرمة، مما قد يمهد لتسويات إنسانية وأمنية تعيد إدماج المحتجزين في إطار الوطن الأم.
تدرك الإدارة الأمريكية أن تصفية النزاعات المعقدة لا تتم بأسلوب الإذلال العلني للدول، بل بفتح ممرات آمنة تمكنها من التراجع مع صيانة كبريائها السياسي.
حديث مسعد بولس يمثل حجر الأساس في مسار تفكيك النزاع المفتعل؛ حيث تُرسم خطوط النهاية بوضوح: المغرب في صحرائه عبر واقعية الحكم الذاتي، الجزائر تتراجع خطوات إلى الخلف محافظة على تماسك واجهتها الداخلية ومصالحها الحيوية، بينما تُترك البوليساريو وحيدة أمام استحقاقات التاريخ ومحكمة الجغرافيا.

