سُقُوطُ “مُؤَرِّخِ اليُوتْيُوب”.. فَضِيحَةُ المُسَاعِدِ البَيْطَرِيِّ الجَزَائِرِيِّ “دُومِير” فِي سَرِقَةِ وَثَائِقِ الصَّحْرَاءِ وَتَزْوِيرِ التَّارِيخِ؟ جُغْرَافِيَّةٌ مَجْهُولَةٌ… نَاشِطُونَ صَحْرَاوِيُّونَ يَنْسِفُونَ ادِّعَاءَاتِهِ
عبدالقادر كتـــرة
في زمن الميديا المفتوحة، تحولت المنصات الرقمية إلى ساحة خلفية لظاهرة “أدعياء العلم” الذين يستغلون أدوات المونتاج والمؤثرات الصوتية لترويج بضائع كاذبة تحت ستار “البحث التاريخي”.
وفي صدارة هؤلاء، يبرز اسم الجزائري شمس الدين (محمد) دومير، المتخصص في البيطرة(تقني)، الذي نصّب نفسه “مؤرخاً وخبيراً” في تاريخ الصحراء المغربية، قبل أن تسقط أقنعته العلمية المتهافتة في فخ القرصنة الأرشيفية وفضيحة السطو على وثائق غيره.
من البيطرة إلى “القرصنة التاريخية”
تجلت القشة التي قصمت ظهر السردية الدوميرية حين خرج في أحد مقاطعه المرئية مزهوّاً بادعاء الحصول على “وثائق حصرية ونادرة تُعرض لأول مرة”، مخاطباً متابعيه بأسلوب الغموض: “لا تسألوني من أين جئت بها!”. غير أن الحقيقة لم تتأخر؛ إذ سرعان ما تكشّف أن هذه الوثائق “الحصرية” ليست سوى أرشيف منشور ومداول منذ سنوات، وتحديداً وثائق ما يُعرف تاريخياً بـ “عام السنية” (توقيعات وبصمات الشيوخ الصحراويين سنة 1966 تحت الإدارة الإسبانية).
الفضيحة الكبرى تمثلت في كشف الناشطين الصحراويين، علي باريش والسالك ولد رحال، عن الأصول الحقيقية للوثائق التي استعرضها دومير؛ حيث اتضح أنه قام بالسطو عليها مباشرة من صفحات وحسابات مغربية وصحراوية كان قد نُشرت فيها بين عامي 2020 و2023.
وبدلاً من الالتزام بالأمانة العلمية وأخلاقيات البحث بنسبة المادة إلى مصدرها، قام بتظليل الجمهور وإلباس المادة المسروقة ثوب “السبق والتنقيب الشخصي”.
جهل جغرافي وتزوير للمقاومة الوطنية
لم تقف سقطات “المساعد البيطري” عند حدود القرصنة والسرقة الأرشيفية، بل تجاوزتها إلى ممارسة التزوير الممنهج والوقوع في جهل فاضح بجغرافيا وتاريخ المنطقة التي يدعي الاختصاص فيها:
1- العمى الجغرافي: اعتبر دومير منطقة “البلاية” في العيون العاصمة الإدارية للإقليم، في حين يعرف أصغر أبناء المنطقة أن “البلاية” لم تكن سوى ميناء بحري لتلقي المؤن والإمدادات العسكرية والغذائية القادمة من أرخبيل الكناري.
2- شطب جيش التحرير المغربي: سعت رواية دومير لتقزيم نضال أبناء الصحراء وعزلهم عن عمقهم الوطني المغربي في معارك (الدشيرة، العرقوب، وتابوت) خلال عامي 1957 و1958. وأغفل عمداً أن السجلات الرسمية بوزارة الدفاع الإسبانية والأرشيف العسكري العام بمدينة “أفيلا” الإسبانية (العلبة 32743، الملف 12) تُسجل صراحة أن هذه المعارك قادها “جيش تحرير الصحراء المغربي” المنطلق من مركز قيادته في مدينة كلميم المغربية، وبظهير رسمي من الملوك المغاربة.
3- افتراءات أروقة الأمم المتحدة: ادعى دومير أن المغرب لم يطالب بالصحراء في المحافل الدولية في خمسينيات القرن الماضي؛ غير أن محاضر الأمم المتحدة تفند خياله بالكامل؛ إذ تُثبت الجلسة رقم 670 للجمعية العامة (14 أكتوبر 1957) أن الدبلوماسية المغربية طالبت رسمياً باسترجاع الصحراء الإسبانية، وسيدي إفني، وموريتانيا، وسبتة ومليلية باعتبارها أجزاءً لا تتجزأ من التراب الوطني.
السقوط المنهجي وتحدي “المناظرة العلنية”
يعكس أسلوب دومير النمط التقليدي للبروباغندا العاطفية؛ فهو يعوض غياب الشهادة الأكاديمية والممارسة البحثية الصارمة بتكثيف الموسيقى الدرامية والمونتاج الموجه لجمهور غير متخصص.
وتجلت هذه الهشاشة حين وجه له الإعلامي الصحراوي السالك ولد رحال تحدياً صريحاً ومباشراً لعقد مناظرة علنية (صوت وصورة) أمام الجمهور على أي منصة يختارها، لمواجهة الوثائق بالوثائق والأرشيف بالأرشيف.
إن تهرب “المساعد البيطري” و”المؤرخ المزيف” المتوقع من هذه المناظرة يكشف أزمة السرديات المصنوعة في المختبرات الرقمية؛ فالتاريخ لا يُكتب بقصاقيص الأوراق المسروقة من صفحات “فيسبوك” و”تويتر”، ولا بتزييف الحقائق الأرشيفية، بل تُثبته الوثائق القطعية والميدان التاريخي الذي يسقط أمام حقائقه كل مدلس ومُدّعٍ.

