رِياحُ الحَسْمِ الدِّبْلُومَاسِيِّ فِي أُكْتُوبَرَ المُقْبِلِ: التَّوَافُقُ الدَّوْلِيُّ وَ”الأَمْرُ الوَاقِعُ” يَطْوِيَانِ مِلَفَّ الصَّحْرَاءِ وَمُقْتَرَحُ الحُكْمِ الذَّاتِيِّ- يُعْزِلُ البُولِيسَارْيُو وَيُطَوِّقُ النِّظَامَ الجَزَائِرِيَّ
عبدالقادر كتـــرة
“أعلنت اليونان رسمياً دعمها لمبادرة الحكم الذاتي المغربية لحل نزاع الصحراء، واصفة إياها بالحل الأكثر واقعية ومصداقية، في خطوة تتناغم مع التوجهات الأممية والأوروبية. يكتسي هذا الإعلان أهمية استراتيجية لتزامنه مع ترؤس أثينا المرتقب لمجلس الأمن في شهر أكتوبر، وهو الشهر الذي يشهد تقليدياً مناقشة وتجديد ولاية بعثة “المينورسو”. يأتي هذا الموقف كحلقة ضمن سلسلة من التغيرات الدبلوماسية الأوروبية المتسارعة (على غرار إسبانيا، ألمانيا، وفرنسا)، التي باتت تميل بشكل متزايد نحو الحل البراغماتي وتجاوز الطروحات الكلاسيكية، مما يعكس تبلور شبه إجماع غربي لإنهاء النزاع عبر تسوية سياسية تركز على الاستقرار الجيوسياسي في شمال إفريقيا”.
– دينامية أوروبية متسارعة نحو الحسم
شكل الإعلان الصادر عن الخارجية اليونانية الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية نقطة تحول إضافية تعزز مسار الطي النهائي للنزاع المفتعل حول الصحراء.
هذا الموقف، الذي يصف المبادرة بـ”الجادة والموثوقة”، ينسجم مع توجه أوروبي وأمريكي متصاعد يتبنى البراغماتية السياسية وروح القرارات الأممية الأخيرة.
العواصم الكبرى، من مدريد وبرلين وباريس وصولاً إلى أثينا، باتت تعتبر مقترح الحكم الذاتي استثماراً استراتيجياً في استقرار شمال إفريقيا والساحل، بعيداً عن الطروحات الكلاسيكية المفتوحة التي أثبتت عقمها المطلق وعدم قابليتها للتطبيق.
– أكتوبر الحاسم في مجلس الأمن
تكتسي الخطوة اليونانية أهمية مضاعفة لتزامنها مع رئاسة أثينا لمجلس الأمن، وهو الموعد السنوي المخصص لمناقشة الملف وتجديد ولاية بعثة “المينورسو”.
هذا التزامن يؤشر على توجه الكتلة الغربية داخل المجلس لتبني لغة أكثر صرامة تنتقل من “إدارة الأزمة” إلى التأسيس الفعلي لحل سياسي نهائي، مما يضيق الخناق على محاولات الإبقاء على الوضع القائم.
– استراتيجية “شراء الوقت” المأزومة
أمام هذا الزحف الدبلوماسي، يبدو النظام الجزائري، الداعم الرئيسي لجبهة البوليساريو، مقتنعاً بحسم المعركة دولياً لصالح المقترح المغربي، ليلجأ إلى تكتيك وضع العراقيل لفرملة المسار الأممي.
هذه الاستراتيجية لا تهدف إلى قلب النتيجة بقدر ما تسعى لتأخير الإعلان الرسمي عنها، وتتحكم فيها اعتبارات ضيقة:
– تأجيل الاستحقاقات الداخلية: الإبقاء على حالة “اللا سلم واللا حرب” يضمن استمرار سردية “التهديد الخارجي”، كأداة لتبرير السياسات وتأجيل الاستجابة للمطالب الشعبية والإصلاحات الهيكلية.
– غياب مخرج سياسي: بعد عقود من التعبئة الدبلوماسية واستنزاف الموارد المالية، يفتقر النظام إلى “استراتيجية خروج” تحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام الداخلي.
– المراهنة على المجهول: التعويل على إطالة الأمد أملاً في حدوث تقلبات جيوسياسية طارئة في النظام العالمي قد تعيد خلط الأوراق وتخفف الضغط الحالي.
عزلة البوليساريو وفرض “الأمر الواقع” يضع هذا التحول الجذري قيادة البوليساريو في عزلة دولية خانقة، تاركاً ساكنة مخيمات تندوف أمام حتمية الاختيار العقلاني: إما الاندماج كجزائريين في واقعهم الحالي، أو العودة إلى الأقاليم الجنوبية للمملكة في إطار الشروط السيادية.
بالموازاة مع ذلك، تتجاوز الدينامية المغربية أروقة الأمم المتحدة لتفرض واقعاً جيواقتصادياً صلباً على الأرض.
الاستثمارات الدولية المتدفقة، وتنامي شبكة القنصليات الأجنبية في العيون والداخلة، والمشاريع الاستراتيجية الكبرى كالمبادرة الأطلسية وأنبوب الغاز النيجيري-المغربي، تحول الحكم الذاتي من مقترح تفاوضي إلى واقع يومي معاش.
هذا الزخم الميداني يجعل من استراتيجية “التعطيل” استنزافاً قاتلاً لمن يمارسها، في عالم بات يرفض توفير غطاء سياسي لبؤر توتر مجانية تعيق التنمية والأمن الإقليميين.

