صَدْمَةٌ فِي قَصْرِ الْمُرَادِيَّةِ: كَيْفَ أَسْقَطَ الْقَضَاءُ الْإِسْبَانِيُّ “وَهْمَ” تَسْلِيمِ رَجُلِ أَعْمَالٍ جَزَائِرِيٍّ لِلرَّئِيسِ تَبُّونَ؟ وَ”هَدِيَّةُ” سَانْشِيزَ وَتَنَازُلَاتُ الْجَزَائِرِ لِإِسْبَانْيَا تَنْهَارُ أَمَامَ الْقَانُونِ الْأُورُوبِّيِّ

صَدْمَةٌ فِي قَصْرِ الْمُرَادِيَّةِ: كَيْفَ أَسْقَطَ الْقَضَاءُ الْإِسْبَانِيُّ “وَهْمَ” تَسْلِيمِ رَجُلِ أَعْمَالٍ جَزَائِرِيٍّ لِلرَّئِيسِ تَبُّونَ؟ وَ”هَدِيَّةُ” سَانْشِيزَ وَتَنَازُلَاتُ الْجَزَائِرِ لِإِسْبَانْيَا تَنْهَارُ أَمَامَ الْقَانُونِ الْأُورُوبِّيِّ

عبدالقادر كتـــرة

شكل قرار القضاء الإسباني الأخير بالإفراج عن رجل الأعمال والقطب الإعلامي الجزائري “أيوب عيسيو”، زلزالاً سياسياً حقيقياً داخل أروقة قصر المرادية، مفجراً موجة غضب غير مسبوقة للرئيس عبد المجيد تبون ضد كبار مسؤوليه في وزارة العدل والمخابرات الخارجية.

لكن هذه الأزمة تتجاوز مجرد فشل إجرائي في تقديم ملف استرداد؛ إنها تكشف عن سوء فهم عميق وخطير لدى صانع القرار الجزائري لطبيعة عمل المؤسسات في الديمقراطيات الأوروبية.

لقد بنى الرئيس الجزائري حساباته على وهم سياسي بحت. كان يعتقد يقيناً أن التقارب الأخير مع مدريد، وحزمة التنازلات والامتيازات الاقتصادية والدبلوماسية السخية التي قُدمت لحكومة بيدرو سانشيز—والتي جاءت في سياق محاولات الجزائر اليائسة لبناء تحالفات إقليمية لمناكفة المغرب—ستكون كفيلة بشراء “هدية” سياسية ثمينة: تسليم معارض ورجل أعمال مطلوب، على طبق من ذهب.

في العقلية السياسية التي تدير دواليب الحكم في الجزائر، يُنظر إلى القضاء كأداة تنفيذية تابعة للسلطة السياسية، تتحرك بأوامر هاتفية وتُكيف أحكامها وفقاً للمصالح الدبلوماسية والأمنية. بهذه العقلية، توقّع تبون أن يتصل سانشيز بالقضاة الإسبان لإنهاء الملف، متناسياً أن إسبانيا دولة مؤسسات تفصل بصرامة بين السلطات التنفيذية والقضائية.

رئيس الحكومة في إسبانيا، مهما بلغت حجم الصفقات الاقتصادية التي يوقعها، لا يملك سلطة تغيير فاصلة واحدة في قرار يصدر عن قاضٍ في المحكمة الوطنية (Audiencia Nacional).

لقد تقدمت الأجهزة الجزائرية بملف استرداد فارغ من أي أدلة جنائية صلبة، معتمدة على “رسائل مجهولة” واتهامات هشة، معتقدة أن الضغط السياسي والثقل الدبلوماسي سيغطيان على العورات القانونية للملف. إلا أن القضاء الإسباني، الملتزم بمعايير حقوق الإنسان والقانون الأوروبي، تصدى لهذه المحاولة، رافضاً ترحيل شخص يواجه خطر التعذيب والمحاكمة المسيسة وغير العادلة.

هذا الإخفاق المدوي وضع الرئيس الجزائري في موقف محرج داخلياً وخارجياً. فقد كان يخطط لاستخدام تسليم عيسيو كـ “كأس انتصار” لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد نتيجة الأزمات الداخلية المتلاحقة من حرائق، وندرة في المواد الأساسية، وتخبط إداري. لكن النتيجة جاءت عكسية؛ تحولت القضية إلى فضيحة تبرز كيف يتم توظيف “المجلس الأعلى للأمن” لتصفية حسابات شخصية.

– سقطت استراتيجية “المقايضة السياسية” أمام جدار استقلالية القضاء الأوروبي.

هذا الرفض الإسباني لا يمثل فقط انتكاسة لملف واحد، بل يشكل سابقة قانونية تضرب مصداقية المذكرات القضائية الجزائرية في مقتل.

فالمحاكم الأوروبية باتت تدرك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن طلبات التسليم القادمة من الجزائر غالباً ما تكون مغلفة باتهامات جنائية، لكنها تخفي في طياتها دوافع سياسية محضة، وأن العدالة لا يمكن مقايضتها بصفقات الغاز أو التحالفات الإقليمية.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *