غَزْوُ” سَبْتَةَ الرَّقْمِيُّ: كَيْفَ تَحَوَّلَتْ مَنَصَّاتُ التَّوَاصُلِ إِلَى بُوصَلَةٍ لِلْهِجْرَةِ غَيْرِ النِّظَامِيَّةِ بِتَمْوِيلِ عَسْكَرِ الْجَزَائِرِ… خَفَايَا الْحَمْلَةِ الَّتِي حَرَّكَتِ الْآلَافَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ الْمَغْرِبِيَّةِ الْمُحْتَلَّةِ

غَزْوُ” سَبْتَةَ الرَّقْمِيُّ: كَيْفَ تَحَوَّلَتْ مَنَصَّاتُ التَّوَاصُلِ إِلَى بُوصَلَةٍ لِلْهِجْرَةِ غَيْرِ النِّظَامِيَّةِ بِتَمْوِيلِ عَسْكَرِ الْجَزَائِرِ… خَفَايَا الْحَمْلَةِ الَّتِي حَرَّكَتِ الْآلَافَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ الْمَغْرِبِيَّةِ الْمُحْتَلَّةِ

عبدالقادر كتـــرة

لم تعد الهجرة غير النظامية تقتصر على مهربين يختبئون في جنح الظلام لتوجيه مجموعات صغيرة نحو قوارب متهالكة أو أسياج شائكة.

حسب ما رصده تقرير استخباراتي إسباني، ما شهدته حدود مدينة سبتة المحتلة يومي 30 و31 يوليو 2026، كشف عن واقع جديد ومثير للقلق: الهجرة أصبحت تُدار عبر “خوارزميات” وشاشات هواتف ذكية، وتُنسق عملياتها من غرف جلوس تبعد آلاف الكيلومترات عن نقطة التماس الحدودية.

لقد جرت العادة أن تُقرأ الأزمات الحدودية من زاوية الجغرافيا والأمن المادي، لكن تقريراً استخباراتياً حديثاً، استند إلى تقنيات “استخبارات المصادر المفتوحة” (OSINT)، أماط اللثام عن البعد الخفي لما أُطلق عليه “غزو سبتة”.

واستنادا إلى التقرير الاستخباراتي الإسباني، الحدث لم يكن عفوياً، بل كان تتويجاً لحملة رقمية جزائرية شرسة استمرت لأسابيع، وحصدت أكثر من 11 مليون تفاعل على منصات مثل تيك توك، فيسبوك، وإنستغرام، وصولاً إلى غرف التنسيق المغلقة بثكنة نظام جنرالات بنعكنون الجزائرية المارق على واتساب.

ثغرة قانونية كـ “حافز تسويقي”

بدأت شرارة هذه الحملة الجزائرية الخبيثة في أوائل شهر يوليو 2026، مستغلة حدثاً قانونياً بحتاً. فقد أصدرت المحكمة العليا الإسبانية حكماً يمنع الرفض الفوري (الإرجاع القسري) للأشخاص الذين يصلون إلى سبتة عن طريق البحر.

بالنسبة للقانونيين، كان هذا انتصاراً لحقوق الإنسان؛ أما بالنسبة لمهندسي مافيات وشبكات الهجرة التي يقودها أبناء حكام الجزائر ، فقد كان “رسالة تسويقية” ذهبية. التقطت الحسابات النشطة هذا الحكم، وحولته إلى حملة ترويجية مكثفة تبث رسالة واحدة: “الطريق مفتوح، والقانون يحميكم بمجرد لمس اليابسة”.

التغيير الجوهري هنا هو السرعة الفائقة التي يتم بها تحويل الثغرات القانونية والقرارات القضائية في أوروبا إلى مواد دعائية تجذب آلاف المهاجرين في غضون أيام.

ـ جيش رقمي بأسلحة وأموال جزائرية بلا قائد مركزي

اللافت في التحليل الاستخباراتي للأحداث هو غياب “الرأس المدبر” التقليدي. نحن أمام نظام بيئي رقمي لامركزي وشديد الذكاء، يعمل بآلية تبادل الأدوار:

– قسم الإثارة (تيك توك وإنستغرام): حسابات تركز حصراً على بث مقاطع فيديو حماسية وموسيقى تحفيزية لضمان بقاء فكرة العبور حية في أذهان آلاف الشباب.

– قسم التنسيق اللوجستي (واتساب): حيث تختفي العواطف وتبدأ التعليمات الصارمة؛ مشاركة إحداثيات (GPS) دقيقة، مسارات التخفي للوصول إلى كاسر الأمواج في “تاراخال”، تفاصيل وسائل النقل، ومواعيد التجمع.

ـ الأبعاد الجيوسياسية: ظلال عابرة للحدود

لم تكن إدارة هذه الحملة محلية. فقد رصد التقرير الاستخباراتي الإسباني مشاركة مكثفة لحسابات من دول الجوار وأخرى غربية. ولعل النقطة الأكثر إثارة للجدل هي الكشف عن أرقام هواتف تحمل المفتاح الدولي للجزائر (+213) لعبت دوراً محورياً في إدارة مجموعات “واتساب” التنسيقية، إلى جانب حسابات أخرى من فرنسا، تونس، والولايات المتحدة، فضلاً عن المغرب.

هذا التداخل الإقليمي يطرح تساؤلات مشروعة حول تحول الهجرة إلى أداة من أدوات “الحرب الهجينة”. ففي منطقة تعج بالتوترات الجيوسياسية والعلاقات الدبلوماسية المقطوعة، كما هو الحال بين الرباط والجزائر، يصبح استخدام “الجماهير الافتراضية” لتشكيل ضغط على حدود الخصوم تكتيكاً استراتيجياً منخفض التكلفة ولكنه عالي التأثير.

ـ نهاية عصر “الجدران المادية”

ما تخبرنا به أزمة سبتة في صيف 2026 هو أن المقاربة الأمنية التقليدية قد شاخت. رفعُ ارتفاع الأسياج أو زيادة عدد أفراد حرس الحدود لم يعد كافياً لردع موجات بشرية تم توجيهها وبرمجتها وتزويدها بالمعلومات الدقيقة قبل أسابيع من وصولها إلى نقطة الصفر.

الدول المعنية بملف الهجرة، وفي مقدمتها المغرب وإسبانيا، تجد نفسها اليوم مجبرة على نقل المعركة إلى الفضاء الرقمي. الأمن الحدودي المستقبلي سيعتمد على الرصد المبكر للخوارزميات، اختراق المجتمعات الرقمية المفتوحة، وتفكيك السرديات التحفيزية قبل أن تتحول إلى طوفان بشري على الأرض.

باختصار، لقد دخلنا حقبة أصبحت فيها “التغريدة” أو “مقطع الفيديو” أقوى من أي قارب مطاطي، وباتت فيها الحدود تُخترق في الفضاء السيبراني قبل أن تُمس أسيجتها على أرض الواقع.

 

Related articles

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *